في وقت تتجه فيه الاقتصاديات الحديثة نحو تكريس مفهوم الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير كعنصر رئيسي في التنمية، يبرز مشروع "مهندس نفايات" كإحدى المبادرات التوعوية والاستراتيجية التي تسعى لتغيير النظرة المجتمعية والرسمية لنظام إدارة المخلفات.
وفي هذه التغطية الخاصة، يتحدث كرم الحمصي، صاحب مشروع "مهندس نفايات" لـ Syria One عن ملف إعادة التدوير والتخطيط البيئي الاستراتيجي، مبيناً الدوافع، والأهداف الممتدة من الوعي الفردي إلى قرارات التخطيط الكلي والدولي.
من النظرة التقليدية إلى صناعة "الذهب"
يؤكد كرم الحمصي لـ Syria One أن اختيار اسم "مهندس نفايات" لم يكن مجرد تسمية عابرة، بل جاء لإحداث حالة من الصدمة الإيجابية وردة الفعل لدى المجتمع، فالنظرة السائدة تجعل النفايات مرتبطة بالاتساخ، بينما الواقع العلمي والاقتصادي يثبت أنها ثروات ومصادر واعدة واقتصاد كامل يتجاوز مجرد كونه مشكلة بيئية، حيث تشكل هذه المواد مناجم حقيقية تُدر أرباحاً مالية وفوائد صحية كبيرة إذا ما تمت الاستفادة منها بالشكل المخطط له.
ويضيف الحمصي أن دافعاً آخر كان وراء اختيار التسمية، وتمثل في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر عمال نظافة كُتب عليهم "مهندسو نظافة"، وما رافق ذلك من تعليقات استنقاص تُشير إلى أن لقب مهندس لا يُطلق على الجميع، هذا التعليق استفز القائم على المبادرة للرد الميداني والعملي، ودمج المفاهيم لإظهار الحقيقة الاقتصادية والهندسية للنفايات، واستعادة قيمة العمل البيئي والتنموي.
التخطيط الاستراتيجي وتجاوز الحلول اللحظية
ويرى كرم الحمصي أن غاية المشروع لا تقف عند حدود التعريف بثقافة النظافة بالمجتمع، بل تتشعب لتصل إلى دوائر التخطيط الاستراتيجي للدول، بل والمجموعات الإقليمية والمؤسسات البحثية، والتحدي الأساسي يتطلب البحث عن حلول متكاملة ومستدامة، وليس مجرد معالجات لحظية مؤقتة تحل مشكلة صغيرة لوهلة ثم تتسبب في خلق تعقيدات ومشاكل أكبر في المراحل القادمة.
ويشدد الحمصي عبر Syria One على أن الانتقال نحو الإدارة المتقدمة للمخلفات ينبغي أن ينطلق من رؤية شاملة تدعم القرار الحكومي والمؤسساتي، وترتكز على أبحاث ودراسات دقيقة تستوعب كامل معطيات الواقع والموارد المتاحة لبناء استراتيجيات متماسكة عابرة للمدى القصير.
تجارب المحطات والنماذج الأوروبية
وفي إطار الاستدلال على التخطيط الاستراتيجي للمؤسسات، يستعرض الحمصي لـ Syria One تجربة دول شمال أوروبا وبريطانيا في إنشاء محطات حرق النفايات وتحويلها إلى وقود لتوليد الكهرباء والتدفئة المركزية، ويشير إلى أنه على الرغم من تفوق بريطانيا من حيث عدد المحطات، فإن السويد تتفوق من حيث الحجم الاستيعابي، لدرجة أن بريطانيا تصدّر جزءاً من مخلفاتها إلى السويد لمعالجتها.
لافتاً إلى أن هذا النموذج يطرح تساؤلات استراتيجية حول القرارات التنموية المناسبة: هل يتم التوجه نحو بناء محطات حرق ومعالجة صغيرة ومحلية تخدم جزءاً من مدينة أو منطقة محددة؟ أم يتم إنشاء محطات كبرى على مستوى المحافظات أو مراكز إقليمية مشاطرة لتسديد احتياجات عدة مناطق؟ إن اتخاذ مثل هذه القرارات الهيكلية يحتاج إلى دراسات وأبحاث معمقة تُجمع فيها كافة البيانات والمعلومات المتوفرة لتكون أساساً لصناعة القرار الاستثماري والبيئي الصحيح.
نقل التجارب وبناء ثقافة الأجيال
ويركز كرم الحمصي في تصريحاته على أهمية نقل تجارب الدول الإسكندنافية والأوروبية إلى الدول العربية، مع إدراك أن هذه الدول لم تصبح نظيفة أو متطورة بيئياً بين عشية وضحاها، بل عبر مسار ممتد يتلخص في ثقافة مجتمعية ترسخت عبر الأجيال وبدأت بخطوات رمزية متدرجة، كتحويل مسمى "مكب النفايات" إلى "الغرفة البيئية".
ويؤكد الحمصي أن بناء جيل جديد يُعد الحجر الأساس في هذه المنظومة، بحيث يُصبح عدم إلقاء القمامة في الطرقات أمراً بديهياً ومسلماً به، وتصرفاً غير مقبول مجتمعياً، هذه المقاربة التراكمية هي ما تسعى المبادرة لإرسائه بهدف النهوض بالبلدان والمجتمعات المجاورة.
التكامل بين العقلية المجتمعية وصناعة القرار
ويختتم كرم الحمصي حديثه لـ Syria One بالتأكيد على أن الهدف الأسمى لمشروع "مهندس نفايات" يتلخص في تقديم نموذج متكامل يربط بين الأبعاد الأكاديمية والعلمية، وبين مستويات اتخاذ القرار في الوزارات والمؤسسات الرسمية، جنباً إلى جنب مع العمل المباشر على مستوى عقلية الفرد والمجتمع.
مبيناً أن النهوض بهذا القطاع يستلزم تضافر الجهود السياساتية والتوعوية، بحيث تتحول ثقافة النظافة من تصرف فردي إلى محرك اقتصادي واستراتيجي يعود بالنفع الشامل على الدولة والمجتمع على حد سواء.






