إن اختيار الطائرة، بدل الطريق البرّي التقليدي بين بيروت ودمشق، ليس تفصيلاً بروتوكولياً هامشياً في زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا، بقدر ما هو عنوان سياسي يختصر طبيعة المرحلة الجديدة بين البلدين.
المسافة التي لا تتجاوز ساعات قليلة بالسيارة، قُطعت هذه المرة جواً، في مشهد بدا وكأنه إعلان غير مباشر بأن العلاقة اللبنانية ـ السورية لم تعد تُدار بمنطق "الممر الإلزامي" الذي حكم عقوداً سابقة، بل وفق توازنات جديدة تحاول إعادة تعريف الشكل السياسي للعلاقة وحدودها وأولوياتها.
وبحسب مصادر مطلعة على أجواء الزيارة أفادت لـ Syria one فإن اختيار الوصول إلى دمشق عبر مطار دمشق الدولي حمل أكثر من دلالة، أولها تكريس الطابع الرسمي والمؤسساتي للعلاقة بين الحكومتين، بعيداً عن الصور التقليدية للعبور البرّي الذي ارتبط تاريخياً بالتداخل الأمني والسياسي بين البلدين.
أما الدلالة الثانية، فتتصل بمحاولة لبنانية واضحة لفصل مسار الانفتاح على دمشق عن أي إيحاء بعودة الوصاية أو إعادة إنتاج المعادلات السابقة، مشيراً إلى أن ما يجري خلف أبواب اللقاءات يتجاوز رمزية الطائرة والمراسم.
المصادر نفسها كشفت أن المباحثات المرتقبة في قصر الشعب لا تندرج ضمن إطار "زيارة تعارف" أو مجرد إعادة تفعيل قنوات التواصل، بل تؤسس وفق توصيفها لمرحلة تفاوض سياسي وأمني واقتصادي أكثر حساسية بين الطرفين، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة بعد سقوط نظام الأسد.
ووفق المعطيات، فإن الخلوة السياسية الأمنية التي ستجمع الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع نواف سلام ونائب رئيس الحكومة طارق متري، ستكون العصب الحقيقي للزيارة، إذ ستتناول ثلاثة ملفات توصف بأنها "فوق وزارية" وتمس مباشرة التموضع الاستراتيجي للبلدين.
الملف الأول يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، وسط حديث متزايد عن ضغوط أميركية لدفع بيروت ودمشق نحو مقاربات تفاوضية متقاربة، أو على الأقل منع تضارب المسارين اللبناني والسوري في أي ترتيبات مقبلة في المنطقة.
أما الملف الثاني، فيرتبط بأمن الحدود، وهو من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية بين البلدين، وتشير المعلومات إلى أن البحث سيشمل آليات ضبط المعابر، والحد من التهريب، ومنع استخدام المناطق الحدودية في أي أنشطة مسلحة أو شبكات خارجة عن سيطرة الدولتين، في ظل رغبة مشتركة بفرض مقاربة أمنية مختلفة عن السنوات الماضية.
في المقابل، يبدو الاقتصاد العنوان الأكثر إلحاحاً بالنسبة للبنان، فبحسب المصادر، يضغط الجانب اللبناني لإعادة تنشيط خطوط الترانزيت عبر الأراضي السورية نحو الأسواق العربية، ومعالجة العراقيل اللوجستية والجمركية التي كبّدت الصادرات اللبنانية خسائر كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى بحث ملفات الطاقة والربط الاتصالي والتعاون التقني بين البلدين.
وترى أوساط متابعة أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في الملفات المطروحة، بل في التوقيت أيضاً، إذ تأتي في لحظة إقليمية تشهد إعادة رسم لشبكات النفوذ والتحالفات، ما يجعل دمشق وبيروت أمام اختبار إعادة صياغة العلاقة بينهما على قاعدة المصالح المتبادلة لا الإرث السياسي الثقيل.
وفي هذا السياق، يبدو أن الطائرة التي أقلّت الوفد اللبناني إلى دمشق لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل اختصاراً مكثفاً لمرحلة جديدة مفادها أن الحدود ما تزال مفتوحة جغرافياً، لكن تُعاد صياغتها سياسياً من الجو هذه المرة، لا من المعابر البرية القديمة.






