فن

من "محبوب قلبك" إلى فهد بلان وأسمهان وغيرهم الكثير.. أغنيات ضاعت حكاياتها وألحان اختلطت أصولها

42
من "محبوب قلبك" إلى فهد بلان وأسمهان وغيرهم الكثير.. أغنيات ضاعت حكاياتها وألحان اختلطت أصولهاعامر فؤاد عامر

لدينا مفارقة تستحق التوقّف عندها في علاقتنا بالأغنية السوريّة؛ نحن نحفظ كثيراً منها، نردد كلماتها، ونتعرّف إلى مطربيها من الثواني الأولى، وقد تستحضر فينا أغنية واحدة مدينة كاملة أو مرحلة من العمر أو حكاية عاطفيّة لم تنتهِ. لكننا عندما نحاول معرفة تاريخها، أو اسم كاتبها وملحنها، أو أوّل من غنّاها، أو الظروف التي وصلت فيها إلى الجمهور، نكتشف أن ذاكرتنا السمعيّة أكثر حضوراً من ذاكرتنا التوثيقيّة.


المشكلة لا تتعلّق بقلّة الإنتاج الغنائي السوري، ولا في ضعف تنوّعه؛ فالمكتبة الموسيقيّة السوريّة غنيّة بمدارسها وألوانها، من القدود والموشّحات والأغنية الحلبيّة، إلى الأغنية الدمشقيّة والريفيّة والساحليّة والفراتيّة والجزراويّة والجبليّة. لكنّها مكتبة لم ننجح دائماً في ترتيب رفوفها، ولا في حماية محتوياتها، ولا في تقديم تاريخها للأجيال الجديدة بصورةٍ موثوقة.


والأكثر إرباكاً أننا لا نختلف فقط على تاريخ بعض الأغنيات، بل قد نختلف على هويّتها ومكان ولادتها، وعلى صاحب اللحن، بل وعلى ما إذا كان التسجيل الذي نستمع إليه هو الأصل أم إعادة أداء لعملٍ أقدم!


"محبوب قلبك" ... لمن تنتمي الأغنية؟


أثار تقديم الفنّانة أصالة نصري لأغنية "محبوب قلبك" ضمن مشروعها الغنائي الذي تناول تراث المحافظات السوريّة، فتح النقاش حول انتماء الأغنية إلى تراث السويداء، وحول جذورها وتاريخها.


لكن هذه المرّة لا يتعلّق الأمر برواية شعبيّة متداولة وكفى؛ فهناك معلومات منشورة تشير إلى أن كلمات الأغنية كتبها الشاعر سلمان نفاع العام 1942، وهو من قرية إمتان في جبل العرب، فيما يعود لحنها إلى تراثٍ قديمٍ لم يُعرف صاحبه على وجه الدقة.


وتشير مصادر أخرى إلى أن الفنّان نصري شمس الدين غنّاها في حفلٍ بمدينة اللاذقية العام 1962، وهي معلومة قد تفسّر بعض الالتباس لدى من يربطون الأغنية بمكان تقديمها، لا بمصدر نصّها وبيئتها الثقافيّة.


هنا تظهر مشكلة أساسيّة في توثيق الأغنية الشعبيّة؛ ليس بالضرورة أن يكون مكان الأداء هو مكان النشأة، وليس بالضرورة أن يكون المطرب الذي اشتُهرت الأغنية بصوته هو صاحبها الأوّل. كما أن انتقال الأغنية بين المناطق لا يلغي جذورها، بل قد يضيف إليها طبقاتٍ جديدةٍ من الذاكرة والتلقي.


إن "محبوب قلبك" ليست أغنية أعادت أصالة تقديمها فقط، بل نموذج لسؤال أكبر يتجلّى بكيفيّة تحديد هويّة الأغنية الشعبيّة؟ هل بالكلمات، أم باللحن، أم ببيئة نشأتها، أم بالمنطقة التي حافظت عليها وتناقلتها؟


والأهمّ ألا يتحوّل هذا السؤال إلى منافسة بين المحافظات على امتلاك التراث؛ فالأغنية السوريّة ملك لذاكرة السوريين جميعاً، لكن إنصاف جذورها وأصحابها واجب لا ينبغي التفريط به.


"على روض الحبيب".. هل تكفي أغنية لتمثيل تراث مدينة؟


في الألبوم نفسه، قدّمت أصالة نصري أغنية "على روض الحبيب" بوصفها ممثّلة للون الغنائي في اللاذقية، وهو اختيار أثار نقاشاً حول أصل اللحن وانتمائه.


فقد تناولت قراءات صحفيّة الأغنية باعتبارها استعادة لمرحلة الطرب التي عرفتها المدينة في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، فيما ظهرت قراءات أخرى تشكك في حصريّة نسبتها إلى التراث المحلّي للاذقيّة، وتربط اللحن بتاريخ موسيقي أقدم.


وهنا لا نريد إصدار حكم متسرّع على هويّة الأغنية، بقدر ما نريد طرح سؤال التوثيق: هل يكفي أن تكون أغنية متداولة في مدينة، أو أن ترتبط بذاكرتها الغنائيّة، حتّى تصبح من تراثها الحصري؟


التراث الموسيقي أكثر تعقيداً من الخرائط الإداريّة. فالألحان تنتقل، والأغنيات تعبر الحدود، وقد تتبنّاها مدينة وتعيد صياغتها حتّى تصبح جزءاً من وجدانها. لكن هذا لا يعفينا من البحث عن جذورها الأولى، وعن أصحابها، وعن المسارات التي سلكتها.


فهد بلان.. كم أغنية ترك؟ وكم أغنية بقيت في الذاكرة؟


من أكثر ما يكشف هشاشة الذاكرة الغنائيّة السوريّة تجربة المطرب الكبير فهد بلان.


نحن نعرف فهد بلان بوصفه واحداً من أبرز الأصوات السوريّة والعربيّة التي حققت انتشاراً عربيّاً لا مثيل له، ونستحضر فوراً أغنيات مثل "واشرح لها"، و"جسّ الطبيب"، و"لأركب حدك يا الماتور". لكن هل حفظت الذاكرة كلّ ما غنّاه الفهد؟ وهل يستطيع المستمع اليوم الوصول بسهولة إلى مجمل إنتاجه؟


بالتأكيد لا. يكفي تصفُح بعض مجموعات أشرطة الكاسيت التي وثّقها مشروع الأرشيف السوري للكاسيت، لنكتشف قوائم من الأغنيات والحفلات التي لا تحضر بالضرورة في التداول اليومي، ومنها تسجيلات تضمّ أعمالاً متعددة لفهد بلان، بعضها يعود إلى ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي.


وهذه التسجيلات ليست أغانٍ عابرة في رصيده؛ بل أجزاء من مسيرته الفنّيّة، وتكشف تنوّع اختياراته وأعماله، وتساعد على فهم تطوّر تجربته وعلاقته بالملحنين والفرق الموسيقيّة والجمهور.


فإذا كان مطرب بحجم فهد بلان لم تحظَ جميع أعماله بالتداول والتوثيق المناسبين، فماذا عن عشرات الفنّانين الذين لم يصلوا إلى مستوى شهرته؟ وكم من أغنية بقيت حبيسة شريط قديم في بيت أحد الهواة، أو تسجيل غير مفهرس في أرشيف إذاعي، أو ذاكرة شخص رحل من دون نقل ما يحتفظ به إلى جهةٍ قادرةٍ على حفظه؟


عبد الفتاح سكر و"يا نخيلة".. سافر اللحن ولم تسافر حكايته


تأخذنا قضيّة الملحن السوري عبد الفتاح سكر إلى وجهٍ آخر من أزمة التوثيق، يتعلّق بمسار اللحن وانتقاله بين الثقافات والأسواق الموسيقيّة.


ففي مادّة تناولت تجربته الفنّيّة، أُشير إلى أن سكر لحّن أغنية "يا نخيلة آه يا نخيلة" لهيام يونس، وأن اللحن حقق شهرة عالميّة بعدما قدّمته فرقة Boney M الألمانيّة في أغنيتها الشهيرة "Ma Baker"، كما ربطت المادّة اللحن نفسه بأغنية "الله الله يا بابا" التي غنّاها صابر الرباعي.


إنها حكاية تستحق تحقيقاً موسيقيّاً مستقلّاً، سيّما أن نسبة الألحان ومسارات اقتباسها تحتاج إلى مقارنة التسجيلات الأصليّة والتواريخ والوثائق، لا إلى الاكتفاء بما تتناقله المقالات.


فإذا ثبتت العلاقة اللحنيّة كما توردها هذه الرواية، فنحن أمام سؤال ثقافي مهم؛ كيف يمكن للحن ارتبط بموسيقي سوري الوصول إلى شهرةٍ عالميّةٍ، بينما لا يعرف قطاع واسع من الجمهور شيئاً عن جذوره السوريّة؟!


لكن ينبغي هنا عدم إغفال الروايات الموسيقيّة الأخرى التي تربط بعض ملامح لحن "Ma Baker" بأغانٍ شعبيّةٍ من مناطق عربيّة مختلفة، وهو ما يجعل المقارنة الموسيقيّة والتوثيق الزمني ضروريين قبل إصدار حكم نهائي، وأن نميّز بين الاقتباس، والتطوير، والتأثّر، والتشابه اللحني.


فريد الأطرش وأسمهان.. ماذا بقي مما لم يُسجل؟


عندما ننتقل إلى الموسيقار فريد الأطرش وأسمهان، نصل إلى قضيّة أكثر إيلاماً. الأعمال والحفلات التي لم تصل إلينا، أو لم يُعثر على تسجيلاتها، أو بقيت خارج التداول العامّ.


فريد الأطرش، كان مشروعاً موسيقيّاً واسعاً امتد عبر السينما، والإذاعة، والحفلات، والتسجيلات التجاريّة، وأخذ الغرب من موسيقاه واقتبس. ومع ذلك، فإنّ ما يتداوله الجمهور اليوم لا يمثل بالضرورة كامل ما قدّمه خلال مسيرته الطويلة.


وقد أثيرت روايات حول ضياع أو إتلاف تسجيلات وحفلات له في أرشيف إذاعة صوت القاهرة. وهذه مسألة ينبغي التعامل معها بجديّة، ولكن أيضاً بحذر توثيقي؛ فما الذي فُقد تحديداً؟ وهل نتحدّث عن تسجيلاتٍ أصليّةٍ أم نسخ إذاعيّة؟ وهل هناك وثائق أو شهادات تحدد ظروف الفقد أو الإتلاف؟


أمّا أسمهان، فإن رحلتها الفنّيّة القصيرة تركت إرثاً استثنائيّاً، لكن قصر عمرها الفنّي لا يعني أن كلّ ما أدّته وصل إلينا. فقد ارتبط بعض ما قدّمته بالإذاعة والحفلات، ولم يتحوّل بالضرورة إلى تسجيلات تجاريّة متاحة، فيما بقيت معلومات عن بعض الأداءات متفرّقة بين الشهادات والوثائق.


وهنا ينبغي أن نفرق بين أغنية فُقد تسجيلها، وأغنية لم تُسجل تجاريّاً أصلاً، وأداء إذاعي لم يعثر الباحثون على نسخته، وأغنية لم يبق منها سوى شهادة من سمعها. فهذه ليست حالات متطابقة، ولكلّ منها تاريخها ومسؤوليّتها.


من الإذاعة إلى الكاسيت.. رحلة لم نحفظ كلّ محطّاتها لم تكن الأغنية السوريّة في بداياتها مادّةً جاهزة للتسجيل والنشر. فقد اعتمد جانب من الحياة الغنائيّة على الأداء المباشر، والجلسات، والاحتفالات، ثمّ أسهمت الإذاعات في حفظ جانب مهمّ من هذا الموروث، قبل اتّساع دائرة التسجيلات التجاريّة والأسطوانات وأشرطة الكاسيت.


والتسجيل الإذاعي قد يبقى محفوظاً في أرشيف المؤسسة ولا يصل إلى الجمهور، وشريط الكاسيت قد ينتشر على نطاقٍ واسعٍ من دون بياناتٍ واضحةٍ، والأسطوانة قد تحفظ نسخة من الأغنية لكنّها لا توضّح دائماً جميع تفاصيل إنتاجها.


ثمّ جاءت المنصّات الرقميّة، فأتاحت الوصول إلى تسجيلات قديمة ونادرة، لكنّها لم تحلّ المشكلة بالضرورة. فما زالت تسجيلات تُرفع من دون أسماء الشعراء والملحنين، وأغانٍ تُنسب إلى غير أصحابها، ونُسخ مختلفة تتداول تحت عنوانٍ واحدٍ، ومعلومات غير دقيقة تنتشر لأنها مكررة لا لأنها موثّقة.


من المسؤول عن حماية ذاكرة الأغنية السوريّة؟


لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤوليّة كلّ ما حدث. فالمؤسسات الإذاعيّة والتلفزيونيّة تمتلك جزءً من الأرشيف، والباحثون يحتفظون بجزءٍ آخر، والعائلات والهواة يملكون تسجيلات قد لا يعرف أحد بوجودها، كما أنّ الفنّانين أنفسهم وأسرهم قد يحتفظون بوثائق وأعمال لم تُنشر.


لكن غياب مشروع جامع يجعل هذه الموادّ جُزراً منفصلة، ويترك الباحث أمام مهمّة شاقّة في البحث والمقارنة والتحقق.


نحن بحاجة إلى مشروع وطني للأرشفة الموسيقيّة السوريّة، لا يقتصر على جمع الملفّات الصوتيّة، بل يمنح كلّ أغنية بطاقة تعريف موثّقة تتضمّن: اسم الأغنية وكلماتها، مع الإشارة إلى اختلاف النسخ. اسم الشاعر والملحن والموزع، متى كانت المعلومات متاحة. اسم المطرب الأوّل، والمطربين الذين أعادوا تقديمها. تاريخ أوّل أداء معروف، وأوّل تسجيل إذاعي أو تجاري موثّق. مصدر التسجيل وتاريخه ودرجة موثوقيّة النسخة. البيئة أو المنطقة التي تنتمي إليها الأغنية، مع توضيح ما إذا كان هذا الانتماء مؤكداً أو محلّ خلاف. حقوق الملكيّة الفكريّة، وأصحاب الحقوق، وإمكانيّة إتاحة التسجيل للباحثين والجمهور.


كما ينبغي العمل على ترقيم أشرطة الكاسيت والأسطوانات والموادّ الإذاعيّة القديمة، وتوثيق شهادات الموسيقيين والباحثين وأسر الفنّانين، قبل أن تضيع هذه الشهادات برحيل أصحابها.


ولا بدّ من إتاحة هذا الأرشيف بطريقة تسمح للباحث والمستمع والصحفي بالعودة إلى المصدر، لا الاكتفاء بنقل معلومة من موقع إلى آخر.


ربّما نعرف كثيراً من الأغنيات السوريّة، لكننا لا نعرف تاريخها جيّداً. وربّما نحتفي بفنّانين كبار، بينما لا نملك صورة كاملة عن أعمالهم. وربّما نسمع ألحاناً وصلت إلى العالم، من دون معرفة الطريق الذي سلكته.


المشكلة ليست أننا لا نغني تاريخنا؛ بل أننا لم نوثّق ما يكفي منه. فالأغنية التي لا نعرف حكايتها تظلّ جميلة في آذاننا، لكنّها تبقى ناقصة في ذاكرتنا. والأسوأ أن الأغنية التي نفقد تسجيلها قد لا نستطيع استعادتها أبداً، مهما اشتقنا إليها.


ربما نعرف كثيراً من الأغنيات السورية، لكننا لا نعرف تاريخها جيداً. وربما نحتفي بفنانين كبار، بينما لا نملك صورة كاملة عن أعمالهم. وربما نسمع ألحاناً وصلت إلى العالم، من دون أن نعرف الطريق الذي سلكته.


المشكلة ليست أننا لا نغني تاريخنا؛ بل أننا لم نوثق ما يكفي منه.

فالأغنية التي لا نعرف حكايتها تظل جميلة في آذاننا، لكنها تبقى ناقصة في ذاكرتنا. والأسوأ أن الأغنية التي نفقد تسجيلها قد لا نستطيع استعادتها أبداً، مهما اشتقنا إليها.


مقالات ذات صلة

كاريس بشار تشيد بالفنانة أمل عرفة مبدية إعجابها بشخصيتها

كاريس بشار تشيد بالفنانة أمل عرفة مبدية إعجابها بشخصيتها

خلال ظهورها في برنامج "تحت الضغط" أجابت كاريس بشار سؤالا بشأن الممثلة التي تحب التشبه بها مبدية إعجابها بالفنانة أمل عرفة
31
شكران مرتجى تحسم الجدل حول استقرارها في لبنان

شكران مرتجى تحسم الجدل حول استقرارها في لبنان

أكدت الفنانة السورية شكران مرتجى تمسكها بوطنها سوريا، نافية الشائعات المتداولة بشأن مغادرتها البلاد واستقرارها في لبنان.
109
كاريس بشار تكشف سرا يتعلق بابنها

كاريس بشار تكشف سرا يتعلق بابنها مجد

خلال مقابلة تلفزيونية حديثة في برنامج مثير، كشفت الفنانة السورية كاريس بشار عن حياتها الشخصية وعلاقتها بابنها مجد، ورأيها ببعض زملائها في الوسط الفني
131
شكران مرتجى تنضم إلى أبو جانتي 3

شكران مرتجى تنضم إلى أبو جانتي 3

تستعد الفنانة السورية شكران مرتجى للانضمام إلى الفنان سامر المصري في الموسم الثالث من مسلسل أبو جانتي 3، الذي يتولى المصري إنتاجه وبطولته
118
النجمة كاريس بشار ترفض مقارنتها بالفنانة سلافة معمار

كاريس بشار ترفض مقارنتها بالفنانة سلافة معمار

خلال مقابلة تلفزيونية حديثة، كشفت الفنانة السورية كاريس بشار عن موقفها من المقارنات المتكررة بينها وبين مواطنتها الفنانة سلافة معمار
107
سيرياون إعلان 7