يمثل موسم حصاد القمح العمود الفقري للاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي الاستراتيجي في البلاد، غير أن الواقع الإنتاجي يواجه اليوم تعقيدات بالغة تعكسها بمرارة شهادات المزارعين.
وفي تغطية خاصة لمنصة Syria One، يسلط المزارعان أبو فوزة وأبو أسعد من محافظتي الحسكة والرقة الضوء على أزمة تأخر صرف مستحقات تسليم المحصول، وانعكاساتها القاسية على الالتزامات المالية والقدرة التشغيلية لمواسم القادم.
أزمة السيولة وتأخر الدفعات المالية
تتجسد المعاناة الأولى في التأخير الطويل لصرف أثمان المحاصيل، حيث يشير المزارع أبو فوزة في تصريح لـ Syria One إلى أن الفلاحين ينتظرون منذ نحو أربعة أشهر دون تسلم مستحقاتهم الكاملة، في وقت جرى فيه تقسيم الفواتير على دفعات متفرقة لا يزال قطاع واسع من المزارعين ينتظر صرف دفعتها الأولى، وسط وعود بانتهاء تسليم كامل المبالغ في شباط المقبل، ويتقاطع هذا الواقع مع ما يرويه المزارع أبو أسعد لمنصة Syria One والذي سلم محصوله منتصف شهر تموز، ليصطدم بتأخر بدء صرف الدفعات حتى أيلول وتشرين الأول عبر أجزاء متفرقة، وبدون تحديد مواعيد واضحة للمبالغ المتبقية، مما أخل بكافة التدفقات النقدية المتوقعة.
تراكم الديون وفروق أسعار الصرف
أدى هذا التباطؤ الملحوظ في الصرف إلى تداعيات مالية كارثية تمثلت في عجز المزارعين عن الالتزام بمواعيد سداد الديون المستحقة مع بداية شهر آب، مما عرضهم لفرض فوائد إضافية من قبل الدائنين، علاوة على ذلك، توضح تصريحات المزارعين لـ Syria One أن تذبذب سعر الصرف وصعود الدولار أدى إلى تآكل القيمة الفعلية للأموال المقبوضة، حيث تم تسديد الديون المرتبطة بالقطع الأجنبي ومستلزمات الإنتاج على سعر صرف مرتفع وصل إلى نحو أربعة عشر ألفاً ومئتي ليرة، مما أدى إلى خسائر مادية فادحة بلغت نحو ثمانمائة وخمسين دولاراً عن كل مئة مليون ليرة سورية من قيمة الفروق والكسور الضائعة، ولم تعد الدفعات المجزأة كافية سوى لتغطية نثريات الصرف اليومي البسيطة دون القدرة على إطفاء الديون الجوهرية.
قفزة تكاليف الإنتاج وغياب هامش الربح
تؤكد الشهادات الحية للمزارعين عبر Syria One انعدام أي هامش للربح من الموسم الماضي، وتحول الموسم برمته إلى خسارة فادحة نتيجة تضخم تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق، فقد تضاعفت أسعار مستلزمات الزراعة والتشغيل خلال فترة وجيزة، حيث ارتفع سعر برميل المازوت من مئة دولار إلى مئتي دولار، وارتفعت تكلفة زراعة الدونم الواحد من نحو ثمانين إلى تسعين دولاراً لتصل إلى مئة وستين دولاراً، يضاف إليها تصاعد أجور الصيانة والعمالة، بينما بقيت العائدات الزهيدة عاجزة عن مجاراة هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار.
شبح تقليص المساحات ومستقبل الأمن الغذائي
في ظل هذا المشترك القاسي من الخسائر وتضخم الأعباء، وجد المزارعون أنفسهم مجبرين على اتخاذ قرارات قاسية لتقليص المساحات المزروعة بنسبة تجاوزت خمسة وستين بالمئة مقارنة بالمواسم السابقة، حيث تراجعت المساحة لدى بعضهم من ألف دونم إلى نحو ثلاثمائة وخسمين دونماً فقط، ويحذر المزارعون عبر Syria One من أن استمرار هذا النهج وتجاهل الدعم الفعلي للفلاحين سيؤدي حتماً إلى هجرة الأراضي وتصحرها، ودفع البلاد نحو أزمة مجاعة واعتماد على استيراد الغذاء من الخارج، مما يجعل الأولوية الملحة تكمن في تقديم دعم حقيقي وميداني يثبت الفلاح في أرضه بعيداً عن الشعارات والخطابات النظرية.






