محمود عبد اللطيف
جانبت الدراما السورية التوقعات بموسم حافل في الأعمال ذات المستوى العالي قياساً على الكم الذي أنتج هذا العام، والذي تمثل بحوالي 20 عملاً تلفزيونياً؛ فغالبية الأعمال كان يروج لها على أنها الأعمال التي تخلصت من القيود الرقابية التي كان معمولاً بها في زمن النظام السابق، لكن المفارقة كانت بأن الأعمال بنيت على نصوص غير ناضجة، وأعمال ظن صناعها أن الاستناد إلى فكرة سقوط النظام تكفي لبناء عمل تلفزيوني يمكن أن يكون مؤثراً ويتسم بالبقاء في الذاكرة الجمعية للسوريين على غرار أعمال أيقونية ما زال السوريون خصوصاً والعرب عموماً يعيدون مشاهدتها مرة بعد مرة.
ويرى الناقد والكاتب «إسماعيل خلف» أن الموسم الحالي لم يكن أبداً بمستوى التوقعات، ربما نتيجة لتخوف صناع الدراما من المجازفة، والنصوص المكتوبة للموسم الحالي بأغلبها تشكو من خلل ما، وكان هناك لَي عنق للشخصيات لنقل الأحداث إلى مسارات؛ فعلى سبيل المثال لم يكن مسلسل «ما اختلفنا» في جزئه الثالث كوميدياً، بل عملاً يشبه الكوميديا وأقرب للسطحية والنكتة دون أي حامل فكري حقيقي، في حين أن أعمالاً مثل «الخروج إلى البئر» - «مولانا» - «مطبخ المدينة» كانت أعمالاً متميزة لكنها تفتقر للصدمة الإيجابية التي تضعنا أمام صورة غير مألوفة لدى المتلقي.
بدوره يقول الكاتب والناقد «سامر إسماعيل» خلال حديثه لـ Syria One: لا أعتقد أنه بإمكاننا بعد اليوم الحديث عن الدراما التلفزيونية السورية إلا من باب التمايز بينها وبين درامات عربية أخرى، لقد انقضى الزمن الجميل لهذه الظاهرة وأصبح ببساطة يمكن الحديث عن مسلسلات يعمل فيها فنانون وفنيون سوريو الجنسية.
ويضيف «إسماعيل» بالقول: التوقعات غالباً جاءت مخيبة كون معظم الأعمال لعام 2026 حاولت تناول ملفات سياسية. والسياسة برأيي تفسد الفن أو تجعله مباشراً بطريقة يصعب فيها التفريق بين العمل الدرامي ونشرات الأخبار، الأجندة أيضاً أجهزت على استقلالية الخيار الفني. أعتقد أن ثمة زواجاً عرفياً اليوم بين البزنس والدراما التلفزيونية العربية، وخاصة السورية منها، لقد تراجعت أقلام عديدة وصمت مخرجون كثر أمام هذه التقليعة الدعائية.
الأداء.. كـ مشكلة
لم يكن الموسم الرمضاني الذي مر بحجم الدعاية التي قامت على أساس أنه موسم لعودة الممثلين الذين كانوا قد هجروا العمل في الدراما السورية بسبب المواقف السياسية المعارضة لنظام «الأسد»، وإن كانت عودة «جمال سليمان» و«عبد الحكيم قطيفان» من باب عالٍ هو «الخروج إلى البئر»، فإن ذات الباب عاد منه ممثلون من حجم «واحة الراهب» و«مازن الناطور» بأداء أقل من المأمول، والأمر نفسه ينسحب على مسلسل «بنت النعمان» الذي كان بوابة عودة «محمد أوسو» ككاتب وممثل إلى الدراما السورية، لكن الأمر اقتصر على رؤية شخصية كـ «كسمو» أو «سلطة» التي قدمها قبل بدء الثورة السورية ولكن بصورة جديدة وملابس نظيفة وأنيقة تتناسب والحكاية التي كتبها، ومثله «نوار بلبل» في «مطبخ المدينة»، وهو العمل ذاته الذي عاد من خلاله «مكسيم خليل»، لكنه لم يقدم جديداً من حيث أدوات الممثل، تشبه شخصية «شجاع» الكثير من الشخصيات التي لعبها سابقاً.
ويرى الكاتب والناقد «إسماعيل خلف» خلال حديثه لـ «Syria One»، أن أبرز الأعمال كان «الخروج إلى البئر» لجهة تقديم عمل متكامل من النص والإخراج والأداء، وكان ككل محاولة لـ "أنسنة التوثيق"، فكنا أمام شخصيات من لحم ودم، ليست بيضاء أو سوداء، ليست شخصيات أحادية الجانب، وكان فرصة لعودة «جمال سليمان» إلى ملعبه الحقيقي بتقديم شخصية نشعر بأننا نعرفها جيداً دون أي تكلف، لكننا نشعر بكم الحب الذي يكنه الممثل للشخصية وربما هذا نتاج ابتعاده لفترة طويلة عن العمل في الدراما السورية.
يضيف «خلف» بالقول: كما إن العمل نفسه كان بوابة لعودة الممثلين العراقيين المخضرمين للأعمال السورية مثل «جواد الشكرجي»، الذي قدم شخصية من أهم الشخصيات التي لعبها على الرغم من صغر مساحتها، مختزلاً كل تجربته السينمائية والمسرحية فيها، ومن الضروري تسليط الضوء على أداء «قاسم ملحو» في العمل ذاته، فبالرغم من صغر مساحتها أيضاً إلا أن «ملحو» لعب هذه الشخصية من منطلق التبني الكامل، وكأن المبدأ الذي قام عليه الأداء المقسوم بين الفصحى والعامية والصمت هو إجابة على سؤال يقول: لو كنت مكان هذه الشخصية ماذا سأفعل..؟! لهذا كان صمت الشخصية لا يقل أهمية عن نطقها، متبنياً لتاريخ الشخصية التي يؤديها، وهذا يبدو جلياً رغم مساحة حضور الشخصية من حيث كم المشاهد.
ويشير «خلف» إلى أن «فارس الحلو»، الذي عاد ليقدم شخصية مهمة مثل «العقيد كفاح» في مسلسل «مولانا»، كان يقدم الشخصية على قاعدة «أنا أمثل»، وبالتالي ظل الجمهور يمايز بين «فارس الحلو» والشخصية رغم محاولته لتبني الشخصية وأنسنتها، كما أن الممثل «وسيم قزق» يشكل مشروعاً إبداعياً يقوم على التراكم، ونجوميته قد تأتي متأخرة، في حين أن عبقرياً مثل «تيسير إدريس» قادر على أن يصنع من مشهد واحد وبأداء "شكسبيري" ما يمكن أن يشكل فارقاً خلال الموسم.
ويشير «خلف» أيضاً إلى أعمال مهمة كانت تحاول الخروج عن المألوف خلال الموسم الحالي مثل «مولانا» و«مطبخ المدينة»، وكان هناك أداء ملفت للممثلين الذين لم يغادروا الدراما السورية في أي وقت، لكن إلى أي درجة يمكن أن تضيف هذه الشخصيات لرصيد الممثلين الذين أدوها؟ هذا هو السؤال المهم.
أين الشخصيات النسائية؟!
تفتقر الدراما السورية خلال الموسم الحالي إلى بطولة مطلقة نسائية في أي من الأعمال التي شهدتها، فحتى أبرز الشخصيات النسائية التي لعبتها «كاريس بشار» في مسلسل «بخمس أرواح» لم تكن إلا مساعداً للشخصية الأساسية التي لعبها النجم «قصي خولي».
وفي هذه النقطة يقول الناقد «إسماعيل خلف»: «الوجوه النسائية هي ذاتها، مع تباين بسيط بينها، ربما تكون كاريس بشار هي العلامة الفارقة في الموسم الحالي رغم أنها كانت مثقلة بلهجة سكان الجزيرة السورية التي شكلت عبئاً على الشخصية والممثل لعدم إجادة كاريس للهجة بما يجعلنا نصدق بأنها من تلك البيئة، وكان واضحاً أن العلاقة بين كاريس والشخصية قائمة على أساس قاعدة (أنا أمثل)، وكان هناك فارق كبير بين كاريس وهي تغني بالتبني الكامل للحالة، وبين مشاهدها الأخرى التي تظهر فيها وكأنها تحمل اللهجة كعبء إضافي».ويعتبر الناقد «سامر إسماعيل» أن موضوع البطولة النسائية مرتبط بحرية الخيار الفني للكاتب والمخرج وأعتقد أنه شبه معدوم، ويقول لـ «Syria One»: «تابعت مسلسل الست موناليزا المصري مثلاً وتمنيت أن يصنع السوريون مثل هذا العمل الفائق في صدقه الفني وبساطته وعمق قضيته المستوحاة من قصة واقعية، لكن من أسف لم يعد لدينا إلا نسخ ممجوجة من أم عصام في باب الحارة».






