يستضيف فندق الداما روز في العاصمة دمشق مؤتمر السلم والإخاء الأهلي، بمشاركة ممثلين عن مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وشخصيات دينية وأكاديمية ودبلوماسية، في محاولة لدعم مسار المصالحة المجتمعية بعد سنوات من الحرب والانقسامات التي شهدتها البلاد.
ويحظى المؤتمر برعاية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومن المتوقع أن تشارك فيه وزارات الثقافة والإعلام والعدل والأوقاف والتربية، إلى جانب أعضاء في مجلس الشعب، وشخصيات دينية، وسفراء، وممثلين عن المجتمع المدني، إضافة إلى تخصيص محور يناقش دور المرأة في تعزيز السلم الأهلي.
وفي حديثه لـ Syria One، يرى البرلماني السابق وأستاذ الدراسات الإسلامية الدكتور محمد حبش أن سوريا تحتاج بصورة مستمرة إلى مبادرات تعزز السلم الأهلي، مشيراً إلى أن سنوات الحرب والاستبداد وما رافقها من عنف وانقسامات ألحقت أضراراً عميقة بالبنية الاجتماعية، الأمر الذي يجعل جهود المصالحة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع المدني والقيادات الدينية والمجتمعية.
ويعتبر حبش أن ما يميز هذا المؤتمر عن المبادرات السابقة هو انطلاقه من المجتمع المدني مع دعم ومشاركة حكومية، معتبراً أن هذه الصيغة تمنحه فرصة أكبر للنجاح، لأنه "ليس مشروعاً حكومياً خالصاً ولا مشروعاً معارضاً، بل مبادرة مجتمعية تحظى برعاية الدولة".
من التوصيات إلى المبادرات
ويشير حبش إلى أن الأهداف المعلنة للمؤتمر تتركز على تعزيز السلم الأهلي، والحد من خطاب التحريض، وبناء جسور الثقة بين السوريين، إلا أنه يؤكد أن نجاحه لا ينبغي أن يتوقف عند إصدار التوصيات، بل يتطلب تحويل مخرجاته إلى مبادرات وبرامج عملية تستمر بعد انتهاء المؤتمر وتمتد إلى مختلف المحافظات.
ويضيف أن المجتمع السوري لا يزال بحاجة إلى ترميم آثار سنوات الصراع وبث الطمأنينة بين مختلف مكوناته، بما يعزز شعور الجميع بالأمان ويعيد بناء الثقة داخل المجتمع، معتبراً أن وجود إرادة مشتركة بين الحكومة والمجتمع المدني يمكن أن يسهم في تخفيف الاحتقان وإعادة بناء الثقة.
انقسامات تحتاج إلى معالجة
ويرى حبش أن الانقسامات التي خلفتها الحرب لا تقتصر على البعد الطائفي، مشيراً إلى أن الخطاب الرسمي يركز على رفض التمييز بين مكونات المجتمع السوري والدعوة إلى المواطنة المتساوية، لكنه يلفت في المقابل إلى وجود انقسام آخر يتمثل في التصنيفات المرتبطة بمرحلة الحرب.
ويرى أن معالجة هذا الانقسام تتطلب الفصل بين المسؤولية الجنائية والانتماء الوظيفي السابق، مؤكداً أن المجتمع بحاجة إلى فتح المجال أمام المصالحة المجتمعية، مع التمييز بين من ارتكب جرائم يعاقب عليها القانون، وبين من عمل ضمن مؤسسات الدولة السابقة في مجالات مدنية أو أكاديمية أو إدارية، معتبراً أن هؤلاء ينبغي أن تتاح لهم فرصة الاندماج في المرحلة الجديدة، بما يسهم في استعادة التماسك المجتمعي.
مشاركة واسعة
ويصف حبش مشاركة ممثلين عن الحكومة، والمجتمع المدني، ورجال الدين، والمرأة، بأنها أحد أبرز عناصر قوة المؤتمر، موضحاً أن تحقيق السلم الأهلي لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة، بل يتطلب تكامل أدوار المؤسسات الرسمية، والبرلمان، والمنظمات الأهلية، والمبادرات المجتمعية.
ويضيف أن سوريا بحاجة إلى مبادرات مجتمعية متواصلة في مختلف المناطق، وليس إلى مؤتمر واحد فقط، معتبراً أن مشاركة مختلف الفاعلين تعزز فرص نجاح أي مشروع وطني يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين السوريين.
مؤتمر يمتد إلى المحافظات؟
ويأمل حبش أن يتحول المؤتمر إلى مسار وطني مستمر، لا يقتصر على العاصمة دمشق، بل يمتد إلى مختلف المحافظات، وحتى إلى تجمعات السوريين في الخارج، عبر مبادرات محلية تعزز ثقافة التسامح والمصالحة، وتساعد على تجاوز آثار الانقسام.
ويشير إلى أن المقصود ليس تكرار المؤتمر نفسه في كل محافظة، وإنما تشجيع كل منطقة على إطلاق مبادراتها الخاصة التي تعزز قيم العفو والتسامح وإنهاء الاحتقان، بما يتناسب مع خصوصية كل مجتمع محلي.
النجاح يقاس بما بعد المؤتمر
ويرى حبش أنه من غير الواقعي انتظار نتائج فورية أو "معجزات" من مؤتمر واحد، لافتاً إلى أن الجهة المنظمة، وهي مؤسسة شام لحقوق الإنسان والسلم الأهلي، تمتلك إمكانات محدودة، إلا أن دورها يتمثل في إطلاق رسالة تدعو إلى المصالحة وتعزيز ثقافة الإخاء.
ويشدد على أن النجاح الحقيقي للمؤتمر لن يقاس بانعقاده أو ببيانه الختامي، وإنما بقدرته على إنتاج مبادرات عملية تستمر بعد انتهائه، وتسهم في دعم السلم الأهلي وترميم العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع السوري.






