معلنا انكسار فصل الصيف، عاد نجم سهيل إلى السماء، وظهر فلكيا في الرابع والعشرين من أغسطس-آب، لكنه ما زال ملاصقًا للأفق، ولا يظهر إلا لحظات قبل الشروق فيطغى عليه ضوء الفجر، ولن تتضح رؤيته إلا خلال الأيام العشرة الأولى من سبتمبر أيلول.
ومع ذلك، فإن طلوعه وحده كافٍ، فعند أهل هذه الأرض، منذ مئات السنين، لا يعني وصول سهيل خبرا فلكيا فحسب، بل بداية العد التنازلي لنهاية القيظ، وفصل الصيف.
اسمه العلمي كانوبس، وهو ثاني ألمع نجم في السماء بعد الشعرى اليمانية، ويقع في كوكبة القاعدة الجنوبية، ويبعد عنا نحو 310 سنوات ضوئية، معنى هذا أن الضوء الذي ستراه عينك في سبتمبر خرج من النجم قبل 3 قرون تقريبًا، وظل يسافر كل هذه المدة حتى يصل إليك.
ولأن سهيلًا يظهر في الجنوب دائمًا، استخدمه العرب دليلًا يعرفون به هذا الاتجاه، وارتبط اسمه بالركن اليماني في الكعبة، ولهذا سموه أسماء تدل على الجهة نفسها، البشير اليماني، ونجم اليمن، وسهيل اليماني.
ويظهؤ سهيل قبل الشمس بدقائق قليلة فقط، فيأتي ضوء الفجر ويغطي لمعانه، ويبقى النجم ملاصقًا للأفق لا يكاد يُرى، ومع مرور الأيام يتقدم على الشمس شيئًا فشيئًا، ويرتفع عن الأفق، فتصبح رؤيته ممكنة.
لم يكتفِ الناس بمراقبة سهيل، بل صنعوا منه تقويمًا؛ موسمه 52 يومًا، مقسمة إلى أربع فترات، تبدأ بالطرفة وهي 13 يومًا يبرد فيها الليل ويبقى النهار حارًا، تليها الجبهة 14 يومًا يعتدل فيها النهار، فالزبرة 13 يومًا يزداد فيها برد الليل، وتنتهي بالصرفة، وسميت بهذا الاسم لأن الحر ينصرف عند طلوعها.
وبطلوع سهيل تبدأ السنة عند أهل التقويم الشعبي، وبعده يأتي موسم الوسم في منتصف أكتوبر وهو أفضل مواسم المطر، تليه المربعانية في ديسمبر حيث يشتد البرد وتقوى ريح الشمال.
ولم يكن هذا التقويم ترفًا، كان الناس يحتاجونه ليعرفوا متى يزرعون ومتى يحصدون، ومتى يرحلون بأغنامهم ومتى يعودون، ومتى يخرج البحارة للصيد ومتى يتجنبون البحر، نجم واحد في السماء كان ينظم مواسم العمل كلها.
وحول هذا النجم تجمعت أمثال كثيرة ما زال الناس يرددونها. قالوا: "إذا طلع سهيل، برد الليل وخيف السيل"، وقالوا: "إذا طلع سهيل، تلمس التمر في الليل"، يقصدون أن التمر ينضج في هذا الوقت حتى تعرفه بيدك من غير أن تراه.
وسموا الرياح اللطيفة التي تهب معه "هبايب سهيل"، وسموا السحب التي تسبق أمطار الوسم الروائح، وحتى الأمثال نفسها كانت دقيقة أكثر مما يظن البعض، فهي لم تقل إن الحر ينتهي فورًا، بل قالت إن الليل هو الذي يبرد أولًا، بينما يبقى النهار حارًا فترة.






