اللغة الساخرة والتلميحات السياسية التي نطق بها عزيز نيسين عرّضته للكثير من المشكلات والظروف القاسية والاعتقال.
لم يكن يوماً كاتباً عادياً، فمنذ أن خطّ كلماته الأولى، امتلك أسلوباً متفرّداً لا يشبه غيره. هو طائر حرّ يحلّق كيفما يحلو له، لم يعترف بالأقفاص حتى وهو بين جدرانها، فحوّل المعاناة إلى أدب له وزنه، وحمل هموم المتعبين على ظهره وفي قلبه، وأفرغ كل ما يجول في داخله من غضب وبراكين على الورق، لعلّه يكون ذاكرةً للشعوب التي تسعى وراء لقمة خبز طيبة، أو تطالب بحقها في الضوء والحياة.
اللغة الساخرة والتلميحات السياسية التي نطق بها محمد نصرت نيسين عرّضته للكثير من المشكلات والظروف القاسية والاعتقال، فهرب إلى حضن أبيه، وتخفّى باسمه، وبدأ النشر باسم «عزيز نيسين» كي لا يجلب لنفسه التهلكة.
لكنه، رغم هذا كله، لم يأبه يوماً ولم يتوقف، بل كان ذلك دافعاً لمزيد من الجمال ومزيد من الحكايات، حتى صار له اسم لامع في الأوساط الأدبية، وسيرة عطرة لمناضل قاوم بقلمه وقرطاسه. عُرف بوصفه أحد أبرز أعلام الأدب الساخر التركي، وحصد جوائز عديدة، منها السعفة الذهبية في إيطاليا عامي 1956 و1957، وجائزة القنفذ الذهبي في بلغاريا عام 1966، وجائزة كروكوديل السوفيتية عام 1969، وجائزة المسرح للمجمع اللغوي التركي عام 1970، وغيرها.
كان القرّاء يتابعون كتاباته الساخرة بشغف كبير في الصحف والمجلات التي عمل فيها، ومنها "يني غون وكاراغوز" و"تان"، فضلاً عن صحف أخرى يجدون بين سطورها ما عجزوا عن قوله، وما ظل حبيس قلوبهم.
تُرجمت أعماله الأدبية والمسرحية إلى أكثر من ثلاثين لغة حيّة، وعَبَر أدبه الحدود التركية ليصل إلى قرّاء من ثقافات مختلفة، فصار ملجأً لكل الأفواه المكتومة وكأنه الناطق الرسمي للمظلومين والمضطهدين حول العالم.
كتب الروايات، مثل "زوبك و يحيى يعيش ولا يحيى" والكثير من القصص القصيرة مثل "أسفل السافلين و آه منا نحن معشر الحمير ووحش طوروس".
ومن أشهر المترجمين الذين نقلوا إرث عزيز نيسين إلى العالم العربي المترجم السوري الراحل عبدالقادر عبد اللي، الذي حافظ على روح الكاتب وعبقريته اللغوية وأسلوبه المضحك المبكي.
تهافت كتّاب الدراما العرب على استلهام قصص نيسين وتحويل بعضها إلى أعمال تلفزيونية ومسرحية لاقت شهرة واسعة وقبولاً كبيراً لدى الجمهور المتعطش إلى من يلمّح بقول ما، أو يضرب على وتر كوميدي أسود. ولعل من أبرز الأمثلة بعض لوحات "مرايا" للفنان ياسر العظمة.
توفي عزيز نيسين في 6 تموز 1995، عن عمر ناهز 79 عاماً، لتُطوى آخر صفحة من صفحات حياته المليئة بالشغب والمغامرة والإنجازات.
وبناءً على وصيته، دُفن دون مراسم تشييع، في مكان غير معلوم داخل حديقة "وقف نيسين" للأطفال الأيتام، التي أسسها في مدينة تشاتالجا بإسطنبول. لم يُرِد أن يعرف أحد مكان قبره، بل أراد أن يركض الأطفال فوقه، وأن يؤنسوا وحدته الأبدية بوقع خطاهم البريئة وظلالهم التي تتراقص حوله.






