يعيش الاقتصاد السوري حالة غير مستقرة بسبب التحول السريع نحو اقتصاد السوق الحر، دون دراسة كافية أو شبكات حماية اجتماعية. وقد أدى رفع الدعم المباشر عن المحروقات والكهرباء والسلع الأساسية إلى ضغوط معيشية قاسية، تسببت في شلل القطاعات الإنتاجية كالمزارع والمصانع.
تحرير الأسعار بلا حماية اجتماعية
الخبير الاقتصادي مجدي جاموس قال لـ Syria One إن المشهد الاقتصادي الحالي يشهد حالة من عدم الاستقرار نتيجة الانتقال السريع من نموذج الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق الحر، مشيراً إلى أن هذا التحول تم دون تدرج مدروس أو الاعتماد على قواعد بيانات دقيقة، مما وضع الاقتصاد في منطقة رمادية فلا هو بالحر المنظم، ولا الموجه الداعم. واصفاً التجربة الحالية بعبارة: "وصلتينا لنص البير وقطعتي الحبلة فينا".
أزمة التحرير وغياب شبكات الأمان
وأوضح جاموس أن تحرير الأسعار ورفع الدعم المباشر عن السلع الأساسية والمشتقات النفطية والكهرباء تم بصورة متسرعة، دون توفير نظام حماية اجتماعي حقيقي للفئات الضعيفة.
وأضاف أن التجارب العالمية الناجحة كالنموذج البرازيلي اعتمدت في تحولها الاقتصادي على بيانات إحصائية دقيقة صنفت المجتمع بوضوح، حيث جرى منح رجال الأعمال حرية وتسهيلات واسعة مقابل ضرائب أعيد استخدامها لتمويل برامج دعم نقدي مباشر للأسر الفقيرة.
وأكمل الخبير الاقتصادي مبيناً أن التجربة السورية، على العكس من ذلك، شملت تحرير الأسعار على الجميع دون تمييز بين الغني والفقير أو بين الطبقة المنتجة والطبقة المستهلكة، وفي ظل غياب البيانات الدقيقة التي تبنى عليها خطط الحماية، مما ولد تداعيات قاسية على المعيشة اليومية للمواطنين.
وهم الوفر المالي وزيادة الرواتب
وفي سياق متصل، أشار جاموس إلى أن تسويغ الحكومة لخطوات تقليص الدعم بكون الوفر المالي سيوجه لرفع رواتب وأجور العاملين في القطاع العام هو تسويغ لا يستند إلى واقع اقتصادي متوازن، حيث إن الموظفين الحكوميين لا يشكلون سوى نسبة محدودة تقدّر بحوالي 10% أو أقل من ذلك من إجمالي السكان (نحو 1.7 إلى 2.5 مليون موظف).
ولفت إلى أن ما حدث عملياً هو تمويل زيادة الرواتب عبر اقتطاع القوت المباشر من الفئات الأوسع من الفقراء وذوي الدخل المحدود ومعدومي الدخل، دون تحقيق تنمية حقيقية أو تخليق فرص عمل جديدة. وترافق ذلك مع تآكل القيمة الشرائية للعملة الوطنية والارتفاع العالمي لسلة الغذاء، ليقفز معدل الفقر لمستويات تتجاوز 89%، بينما قفز انعدام الأمن الغذائي إلى 74% وفق التقارير الدولية.
شلل الإنتاج الزراعي والصناعي
وانتقالاً إلى أثر هذه السياسات على قطاعات الإنتاج، بيّن جاموس أن الهدف المفترض من اقتصاد السوق هو تحفيز استثمارات جديدة وتوسيع قاعدة المصانع والمزارع والمشاريع السياحية والخدمية، بما يؤدي لزيادة الإنتاج والتصدير وتعزيز قوة الليرة، إلا أن الواقع شهد انكماشاً حاداً نتيجة غياب البيئة الاستثمارية المحفزة وضعف المنظومة المالية والمصرفية.
وأضاف أن الارتفاع الكبير في أسعار المشتقات النفطية والطاقة شكل ضربة مباشرة للقطاعين الزراعي والصناعي، مما دفع العديد من المزارعين للإعراض عن الزراعة، وأدى لإغلاق عدد من المنشآت الصناعية، ليتحول تركيز المواطنين والمنتجين من التفكير في إعادة الإعمار والتطوير إلى مجرد محاولة تأمين الحد الأدنى من متطلبات الاستمرار والمعيشة.
خريطة طريق لإعادة بناء الثقة
وفي ختام تصريحاته، شدد الخبير الاقتصادي مجدي جاموس لـ Syria One على أن التحدي الأبرز يكمن في استعادة الثقة المفقودة بين الحكومة من جهة، والمواطنين والمنتجين والمستثمرين من جهة أخرى، ودعا إلى تبني خريطة طريق متكاملة تتضمن عدة بنود منها الاعتماد على قواعد بيانات مبنية على واقع المجتمع، والتحول نحو الدعم النقدي المباشر للأسر الفقيرة لمواجهة التضخم، أو إعادة التفعيل المنظم لبطاقات الدعم، وتشكيل جهة معنية بتوفير الأمان التشريعي والائتماني، وتقديم تسهيلات ترخيصية حقيقية لرجال الأعمال والمغتربين والمستثمرين، والقضاء على رتابة القوانين، بالإضافة للتخلي عن سياسات حبس السيولة، وتفعيل القروض الاستثمارية، والعمل على خروج سوريا من القائمة الرمادية لدمجها مجدداً في منظومة المدفوعات العالمية، وأخيراً تقليص مظاهر الترف والمصاريف البروتوكولية لمؤسسات الدولة، وإرساء سياسات تقشفية تعكس الواقع المعيشي وتضمن إعادة بناء جسور الثقة مع الشارع.
وأكد جاموس أن بناء اقتصاد وطني متين لا يتحقق عن طريق جباية الأموال من الطبقات الأكثر هشاشة، بل عبر خلق بيئة جاذبة للإنتاج، وحماية المواطن باعتباره المرتكز الأساسي لأي عملية تنموية.






