اقتصاد

٩٠ ألف ليرة قديمة تكلفة دفء اليوم الواحد.. بورصة المدافئ تشتعل والشراء يكاد ينعدم لصالح الصيانة

51
٩٠ ألف ليرة قديمة تكلفة دفء اليوم الواحد.. بورصة المدافئ تشتعل والشراء يكاد ينعدم لصالح الصيانةلميس حسين

مع اقتراب حلول فصل الشتاء، يجد المواطن السوري نفسه مجدداً في مواجهة أزمة معيشية بالغة الحساسية ترتبط بكسر الصقيع وتأمين الحد الأدنى من الدفء العائلي، وسط معادلة اقتصادية معقدة تتراوح بين ارتفاع أسعار المدافئ بمختلف أنواعها من جهة، والكلفة التشغيلية المرتفعة لليوم الواحد من جهة أخرى. وتتفاوت خيارات الأسر السورية في التدفئة تبعاً للقدرة الشرائية المتاحة ومستويات الدخل، لتتحول مسألة اختيار الوسيلة المناسبة من مجرد تفضيل شخصي إلى دراسة جدوى استراتيجية تتأثر مباشرة ببرامج التقنين الكهربائي وتذبذب أسعار المشتقات النفطية والبدائل المحلية.

بورصة المدافئ في الأسواق المحلية

تشهد الأسواق السورية حركة جمود حذرة تسود معارض وورشات تصنيع المدافئ في المحافظات، حيث يتأثر التسعير بسماكة الصاج، وجودة الإكسسوارات، ونوع حارقات البورسلان، فضلاً عن تكاليف النقل.


وفي تصريحات خاصة لمنصة Syria One، يؤكد أبو جاد صاحب ورشة ومعرض لبيع وصيانة المدافئ في دمشق أن الإقبال الحالي يتركز بشكل أساسي على خيارات الصيانة للقطع القديمة، بينما تتراوح أسعار المدافئ الجديدة ضمن مستويات متفاوتة حسب نوعية الوقود والتقنية المستخدمة، حيث تبدأ أسعار مدافئ الصاج الخفيف المخصصة للمازوت من 900 ألف ليرة وتصل إلى مليوني ليرة للموديلات المتوسطة، بينما تتجاوز أسعار مدافئ النحاس والزهر الممتازة حاجز الأربعة ملايين ليرة.


وعلى صعيد مدافئ الحطب المطورة، يبدأ سعر النموذج العادي من مليون وسبعمئة ألف ليرة ليقفز إلى أكثر من أربعة ملايين وخمسمئة ألف ليرة سورية للأنواع الثقيلة المزودة بفرن وطبقات حرارية عازلة، أما المدافئ الكهربائية والهوائية فتتراوح بين أربعمئة ألف وتتدرج لتتجاوز مليوني ليرة للأنواع المزودة بمراوح توربين وأنظمة حماية متطورة

الأرقام الحقيقية لنهار التدفئة بالمازوت

لا تتوقف المعاناة المالية عند حدود شراء جهاز التدفئة، بل تمتد لتسجيل استنزاف يومي مستمر يقاس بساعات التشغيل وكلفة الوقود المستهلك لكل خيار على حدة، فعند حساب تكلفة التدفئة عبر المازوت، يحتاج المنزل المتوسط إلى تشغيل بحد أدنى يمتد من 4 إلى 6 ساعات يومياً، وهو ما يستهلك نحو 4 إلى 5 ليترات من المازوت كحد أدنى للتشغيل الجزئي، وبناءً على التعديلات السعرية الأخيرة التي حددت سعر لتر المازوت بـ 175 ليرة سورية جديدة في نشرات الوقود الرسمية أي 17500 ليرة قديمة وتجاوزه أرقاماً أعلى في السوق الحر، فإن تكلفة تشغيل مدفأة المازوت لنهار واحد تتراوح بين 90 إلى 120 ألف ليرة سورية قديمة، مما يشكل عبئاً تراكمياً يتجاوز ٣ مليون ليرة قديمة شهرياً على ميزانية العائلة طوال فصل الشتاء.

معادلة الوقود البديل

تمتد خيارات التدفئة لتشمل بدائل أخرى تحكمها شروط قاسية تتعلق بالتوافر والقدرة المالية، حيث يتطلب تشغيل مدفأة الحطب على مدار اليوم استهلاك ما يقارب 15 إلى 20 كيلوغراماً من الحطب اليابس مثل حطب الزيتون أو الحمضيات، ومع تسجيل سعر طن الحطب أرقاماً تتراوح بين 200 دولار أمريكي وما يعادلها محلياً، فإن كلفة يوم التدفئة بالحطب تتجاوز 100 ألف ليرة سورية قديمة لتبقى خياراً مكلفاً يرتبط توفره بشح النقل بين المحافظات.


وفي المقابل، يواجه خيار التدفئة الكهربائية عائق التقنين الطويل، إذ تستهلك مدفأة الشمعات أو "الكونفكتور / الهوائيات" متوسطة القدرة نحو 2 الكيلوواط في الساعة الواحدة لتتجاوز تكلفة التشغيل اليومية حاجز 25 ألف ليرة قديمة في حال الاعتماد على الطاقات البديلة والأمبيرات، فضلاً عن الضغط الشديد الذي تسببه هذه المدافئ على بطاريات الإنفرتر والمنظومات الشمسية المنزلية.

الورشات والغش التجاري

كشف أبو جاد عبر منصة Syria One أن تدني القدرة الشرائية شجع بعض الورش غير المجهزة على طرح مدافئ بصاج رقيق لا يتجاوز سمكه 0.5 ميليمتر وحارقات بورسلان تجارية سرعان ما تتشقق وتتسبب في هدر المازوت وانبعاث الدخان داخل المنازل، وينصح المستهلكين بضرورة التأكد من وزنية المدفأة وجودة اللحام وتطابق فتحات التهوية، مؤكداً أن كلفة صيانة مدفأة قديمة وتبديل حارقها وملحقاتها باتت تكلف نحو 40% من ثمن المدفأة الجديدة.


أما بالنسبة للتحايل في تجارة الحطب، فيوضح أبو جاد أن الغش ينتشر في بيع الخشب الأخضر أو المشبع بالرطوبة باعتباره حطباً يابساً، حيث يزن أكثر ويحترق بصعوبة مخلفاً دخاناً كثيفاً بلا حرارة، مما يفرض على المواطن معاينة الخشب وفحص قشرته الخارجيّة وتطبيقه جافاً قبل الشراء لتجنب استغلال التجار في الذروة الشتوية.

سلوك المستهلك وسيناريوهات التكيف

يشير أبو جاد في ختام حديثه لـ Syria One إلى أن الأسواق تشهد هذا العام نمطاً استثنائياً من سلوك المستهلك يتلخص في الابتعاد الكلي عن شراء المدافئ الجديدة والاتجاه نحو تعديل المدافئ القديمة لتستوعب أكثر من مادة تشغيلية، حيث تعمد كثير من العائلات إلى تحويل مدافئ المازوت لتعمل على الحطب أو جفت الزيتون عبر إضافة قواعد حديدية مخصصة داخل حوض التدفئة لتفادي أزمات انقطاع المشتقات النفطية، وتوضح المعطيات الميدانية أن حركة المبيعات الفعلية للقطع الجديدة انخفضت بمعدلات قياسية، بات معها خيار العائلات السورية متمثلاً في تحصين المنازل بالعزل الحراري والاعتماد على التدفئة الموضعية لغرفة المعيشة فقط بهدف تخفيض حجم الاستهلاك اليومي لأدنى مستوياته، في ظل ظروف اقتصادية قاسية تحول فيها الدفء الشتوي إلى تحدٍ معيشي أولوي.


مقالات ذات صلة

الطاقة السورية: يجري العمل لإرسال 250 صهريج ‏مازوت إلى حلب وإدلب لمعالجة الأزمة

الطاقة السورية: يجري العمل لإرسال 250 صهريج ‏مازوت إلى حلب وإدلب لمعالجة الأزمة

أعلن مدير الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد ‏سلات أن الشركة السورية للبترول تعمل حالياً ‏على تحميل وإرسال 250 صهريجاً من مادة ‏المازوت من بانياس إلى محافظتي حلب وإدلب
8
إنتاج سلطنة عُمان من الشارخة يتراجع

إنتاج سلطنة عُمان من الشارخة يتراجع

بلغ إجمالي إنتاج سلطنة عُمان من الشارخة 802 طن خلال عام 2025م، مقارنة بـ864 طنًا في عام 2024م، مسجلًا انخفاضًا بنسبة 7.2 بالمائة. وفق بيانات الكتاب الإحصائي السنوي لعام 2026م، الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
14
هل تدعم الدولة أسعار المحروقات فعلاً؟ وماذا يريد صندوق النقد الدولي من سوريا؟

هل تدعم الدولة أسعار المحروقات فعلاً؟ وماذا يريد صندوق النقد الدولي من سوريا؟

ما يزال موضوع رفع أسعار المشتقات النفطية متفاعلاً في الشارع السوري، وما يزال يلقي بظلاله على الحياة العامة بكل تفاصيلها.
39
باستثمار مرتقب يُقدّر بـ 250 مليون دولار وتحديات الطاقة والضرائب.. "أسمنت الشمالية" تسعى لتأمين الاكتفاء الذاتي في سوريا

باستثمار مرتقب يُقدّر بـ 250 مليون دولار وتحديات الطاقة والضرائب.. "أسمنت الشمالية" تسعى لتأمين الاكتفاء الذاتي في سوريا

تُعدّ مادة الأسمنت الركيزة الأولى لأي حركة استثمارية أو عمرانية تشهدها البلاد. وفي وقت تواجه فيه الصناعات الثقيلة تحديات ترتبط بتأمين مستلزمات التشغيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، تبرز حاجة السوق إلى استثمارات واسعة قادرة على تغطية الطلب المحلي وتقليل الاعتماد على المواد المستوردة.
41
إذا تعثّر الدفع الإلكتروني في سوريا.. من يحمي رصيد المواطن؟.. خبير لـSyria One: ربط المنصات بالمصارف أساس الثقة

إذا تعثّر الدفع الإلكتروني في سوريا.. من يحمي رصيد المواطن؟.. خبير لـSyria One: ربط المنصات بالمصارف أساس الثقة

مع استخدام المحافظ الإلكترونية في تسديد الفواتير وتحويل الأموال، لا تتوقف مخاوف المواطن السوري عند سهولة الدفع، بل تمتد إلى مصير أمواله إذا فشلت المعاملة أو تعذّر الوصول إلى حسابه، فمن يتحمل مسؤولية
56
سيرياون إعلان 7