بحثت هيئة الاستثمار السورية، خلال شهر أيلول/سبتمبر الفائت، مع وفد يضم ممثلين عن عدد من كبرى الشركات الصينية العاملة في قطاعات استراتيجية وحيوية، آفاق التعاون وفرص الاستثمار في سوريا، حيث تم استعراض أبرز الفرص الاستثمارية المتاحة في القطاعات ذات الأولوية، إلى جانب بحث آليات تسهيل دخول الشركات الصينية إلى السوق السورية، وتحويل الاهتمام الاستثماري إلى مشاريع نوعية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
بدورها، السفارة السورية، بحثت خلال الشهر الفائت، في بكين مع قيادة المجلس الصيني لتعزيز التجارة الدولية CCPIT سبل تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري بين سوريا والصين.
أيضاً، مجلس الأعمال السوري الصيني بالتعاون مع مجموعة “سوتشو لاند وغروفاست"، في وقت سابق من العام الجاري، حفل إطلاق "منصة سوريا الدولية للمدن الصناعية الذكية"، بهدف تعزيز التعاون الصناعي والاستثماري بين سوريا والصين، ودعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.
وتسعى المنصة إلى نقل التجربة الصناعية الصينية إلى سوريا عبر برامج توأمة بين المدن الصناعية، وتطوير المدن الصناعية الذكية، ونقل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات الوطنية، واستقطاب الاستثمارات، بما يسهم في بناء شراكات صناعية مستدامة بين البلدين، بحسب مصادر محلية.
وحول أهمية التعاون الاقتصادي مع الصين، يؤكد الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي، في حديث لـ Syria One، أن التوجه السوري نحو تعميق الشراكة الاقتصادية والصناعية مع الصين، ولا سيما الانتقال من التبادل التجاري التقليدي إلى توطين الاستثمارات والتكنولوجيا الصناعية، يُمثل تحولاً استراتيجياً يحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية عميقة.
وعن إيجابيات التعاون، يقول كويفي: "نقل خطوط الإنتاج والخبرات الصناعية الصينية يساهم في إعادة إعمار البنية التحتية الصناعية المدمرة وتأهيلها وفق معايير تكنولوجية حديثة، كما أن إشراك العمالة المحلية في المدن الصناعية المشتركة يخلق فرص عمل واسعة ويطور الكفاءات الفنية، في حين تحويل الاستهلاك المعتمد على الاستيراد إلى تصنيع محلي يخفف الضغط على الليرة ويقلل الطلب على العملة الأجنبية.
وتمتلك الصين قدرات تمويلية هائلة وسلاسل إمداد عالمية تمنح سوريا نافذة للاندماج مجدداً في شبكات التجارة الدولية".
وبالنسبة للمخاطر والتحديات، يذكر كويفي أن: "القوة التصديرية الهائلة للصين قد تجعل الشراكة غير متكافئة، فتتحول سوريا إلى سوق استهلاكية ومصدر للمواد الخام، ويبقى العائق الأعمق هو الفراغ المؤسسي: غياب أطر واضحة لحوكمة الشركات وشفافية المشتريات وضمانات حماية الاستثمار، هذا الفراغ قد يفتح الباب لاقتصاد ريعي جديد، ويجعل الحديث عن معايير بيئية وعمالية مجرد طموح بلا أدوات تنفيذ، يضاف إلى ذلك ضعف شبكات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، مما يعيق تشغيل المصانع بكفاءة ويضع أعباء إضافية على الخزينة.
وعند سؤاله، حول ما إذا كان سيؤدي التعاون إلى إغراق السوق، قال كويفي: "التخوف واقعي ومبرر، لكن الحل ليس الانغلاق الحمائي، بل الفتح المشروط، فبدلاً من فرض رسوم جمركية يصعب إنفاذها، الأجدى تضمين اتفاقيات المنصة شروطاً ملزمة: رفع نسبة المكون المحلي تدريجياً، وتدريب العمالة السورية، والانتقال إلى إدارة محلية بعد انتهاء العقود. هكذا يتحول الوصول إلى السوق السورية إلى أداة لبناء القدرات لا لاستنزافها".
وعن منصة سوريا الدولية للمدن الصناعية الذكية، اعتبر كويفي أنها توفّر "نافذة رقمية موحدة لربط المستثمرين الصينيين بالفرص المتاحة في المدن الصناعية، مما يقلل البيروقراطية ويعزز الشفافية"، متابعاً: "لكن يبقى الفارق كبيراً بين الخطاب والواقع: فالنشاط الصيني الراهن يغلب عليه طابع الشركات الخاصة وإدارة المناطق الصناعية، مع غياب شبه تام للتمويل السيادي الضخم.
المنصة إذاً إطار مؤسسي واعد، لكنها لم تتحول بعد إلى آلية لنقل التكنولوجيا الفعلية".
الانعكاسات الجيوسياسية
يضع هذا التقارب سوريا على خارطة الطرق التجارية الصينية الكبرى، ويمنحها أهمية جغرافية كبوابة للمتوسط، بحسب كويفي، الذي أضاف: "كما يوفر بدائل خارج المنظومة الغربية توسع هامش المناورة في العلاقات الدولية، لكن الأهم أن سوريا تتحول من ساحة صراع جيوسياسي إلى نقطة جذب مصالح اقتصادية، بشرط أن تُبنى هذه الشراكة على أسس مؤسسية تحمي السيادة الاقتصادية ولا تستبدل تبعية بأخرى".
وختم الباحث كلامه مشدداً على أن "الفرصة قائمة، لكن نجاحها مرهون بقدرة سوريا على بناء مؤسساتها بالتوازي مع فتح أسواقها، لا بعدها".






