مجتمع

"الأوتليت".. للـ "أكابر" "بالتهم" أيضاً

9
"الأوتليت".. للـ "أكابر" "بالتهم" أيضاًلميس حسين

مع تبدل شكل الحياة في سوريا وزيادة أسعارها وتكاليفها.. أصبح للألبسة حكاية مختلفة!.. قطعة الثياب ليست مجرّد "لبس" بل مزاج، ونجاة، وستر، وطبقة اجتماعية كاملة تُقرأ من خامتها ورائحتها ولونها.


فبين البالات التي صارت ملاذاً لمن يبحث عن سترٍ بسعرٍ محتمل، و"الأوتليت" الذي تحول لبوابة "الأكابر الجدد".. يتشكّل سوقٌ كامل يعكس حال السوريين اليوم: "نريد أن يعيش.. ولو بطرقٍ بديلة"


البالة.. ستر وغطا


في أحد محلات البالة بدمشق، يجلس "أبو سليم" صاحب محل صغير، يفرز قطعاً جاءت من أوروبا قبل أيام.


يقول لـ Syria One وهو يرفع كنزة تكاد تكون جديدة: "هي القطعة لو كانت بالسوق كانت فوق 150 ألف.. هون بتاخدها بـ 20 ألف..الناس بدها تعيش، ونحنا البياعين بدنا نعيش.. البالة صارت ستر للكل.. مو بس للفقير".


ويبين "أبو سليم" أن البالة اليوم ليست سوقاً للفقراء فقط، بل هي سوقٌ للطبقة التي كانت تُسمّى "وسطى"، وأصبحت تبحث عن جودة لا تستطيع شراءها جديدة.


هي سوقٌ للطلاب، للموظفين، للعائلات التي تريد قطعة "تعيش معها" بدون ما تكلف راتب!، كما تحمل البالة وجهاً آخر أيضاً أي الأشخاص الذين لا يملكون خياراً ثانياً، حيث تبين "أم رامي" أنها لا تحب القطع المستعملة لكنها مجبورة معبرة عن ذلك بقولها: "أنا ما بشتري من البالة لأنو بحبها.. بشتري لأنو ما عندي غيرها.. بس أحياناً منلاقي قطع أحسن من السوق"


"الأوتليت".. بالة الأكابر!


وعلى المقلب الآخر، حيث يبدو أن الأوتليت يقدّم للناس نسخة مخفّفة من حياتهم السابقة، نسخة تحافظ على الصورة الاجتماعية حتى لو تغيّر الواقع الاقتصادي.


يشرح جاد صاحب "أوتليت" لـ Syria One وهو يعلّق الملابس على الرفوف كأنها قطع فنية أن زبائنه ليسوا فقراء، لكنهم لم يعودوا أغنياء كما كانوا سابقاً، مبيناً أن الأوتليت أصبح مساحة للناس التي تريد أن تحافظ على شكلها حتى لو تغيّر وضعها، حيث يجدون بضاعة أصلية وماركات عالمية ولكن ليست جديدة 100٪، فقد تكون فائض مصانع أو فيها عيوب بسيطة جداً وأحياناً قطع جديدة تماماً ولكنها من مواسم موضة قديمة وليست ضمن الموسم الحالي.


أما عن رأي من يرتاد "الأوتليت" فتقول سارة دياب لـ Syria One إنها تحب الماركات لكنها لم تعد قادرة على شراء الجديد، كما أن "الأوتليت" يجعلها تشعر بأنها ما زالت قادرة على الحفاظ على ستايلها بدون أن تعيش ضائقة مالية.


فيما بين الموظف رامي المّر أنه لا يستطيع ارتداء المستعمل حتى لو كان "ماركة"، لأنه يشعر أن القطعة ليست له، وهي فكرة راسخة حتى لو كانت مكلفة، وتكشف جانباً من المزاج الاجتماعي الذي ما يزال يرى في "الجديد" رمزاً للهيبة.


الألبسة.. واقتصاد الظلّ


ومع توسّع سوقي البالة و"الأوتليت"، أصبح واضحاً أن الألبسة نفسها تحوّلت لاقتصاد ظلّ داخل البلد. 


فالمحلات الصغيرة اللي كانت تبيع قطعاً بسيطة باتت تعتمد على شبكات توريد غير رسمية، تمرّ عبر تجار وسماسرة وطرق التفافية لتأمين البضاعة، حيث يشرح بعض أصحاب المحلات لـ Syria One أن وصول شحنة واحدة من أوروبا قد يغيّر حركة السوق لأيام، وأن الناس تنتظر "فتح البالة" كأنها حدث اقتصادي صغير، هذا الاقتصاد الموازي خلق دورة كاملة خارج السوق التقليدي: دورة فيها استيراد وفرز وتسعير وبيع، وفيها طبقات جديدة من التجار والزبائن، وفيها حركة مال يومية تعكس كيف تمكن السوري من خلق حلول اقتصادية بديلة بعيداً عن القنوات الرسمية. 


البالة و"الأوتليت" هنا لم يعودا مجرد خيار للشراء، بل جزء من اقتصاد يعيش خارج الضوء، في محاولة لترميم ما تهشّم من قدرة الناس على الاستهلاك.


مزاج السوريين يتغيّر


بين رزم البالة المضغوطة ورفوف "الأوتليت" المرتّبة، يتشكّل اليوم مزاج السوريين تجاه الثياب. 


فهم يريدون جودة وسعراً مقبولاً وقطعة تعيش، إضافة لشكل اجتماعي معيّن لا يشعرهم بأنهم أقل من أحد، وهذا ما يجعل البالة و"الأوتليت" يغطيان فقر الناس.. وطبقة "الأكابر" أيضاً.


لتصبح قطعة الثياب في بلد تغيّرت فيه كل الأشياء بسرعة أكثر من مجرد قماش، فهي محاولة صغيرة للحفاظ على ما تبقّى من شكل الحياة، وعلى ما تبقّى من قدرة الناس على الشعور بأنهم ما زالوا يشبهون أنفسهم، مهما تغيّرت الظروف من حولهم.


مقالات ذات صلة

كيف تؤثر سنوات اللجوء في القيم والعلاقات الأسرية عند العودة إلى البيئات الأصلية؟

كيف تؤثر سنوات اللجوء في القيم والعلاقات الأسرية عند العودة إلى البيئات الأصلية؟

لم تكن سنوات اللجوء والنزوح بالنسبة للسوريين مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل شكلت تجربة اجتماعية طويلة تركت آثارها على أنماط الحياة والعلاقات الأسرية والقيم اليومية
487
سينما فلكية في شوارع دمشق.. مدير المشروع لـ Syria One: نقل المعرفة بأسلوب تفاعلي مشوق

سينما فلكية في شوارع دمشق.. مدير المشروع لـ Syria One: نقل المعرفة بأسلوب تفاعلي مشوق

في خطوة لافتة، يشهد الشارع السوري مؤخراً، إطلاق مشروع "قبة المعرفة" في العاصمة دمشق، وهي "مبادرة شبابية طموحة تسعى لإعادة صياغة التعليم الترفيهي وتحدي الصعوبات بأدوات بصرية مبتكرة"، حيث تأتي كسينما فلكية متحركة تقدم عروضاً علمية
318
حفلات تحديد جنس الجنين الـ "بيبي شاور".. هروب من الواقع أم ذكريات ضروية؟

حفلات تحديد جنس الجنين الـ "بيبي شاور".. هروب من الواقع أم ذكريات ضروية؟

تشهد سوريا، رواجاً لافتاً لحفلات الكشف عن جنس (الجنين)، أو ما يعرف باسم حفل الـ "بيبي شاور"، نتيجة تأثير منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرين، حيث تحولت هذه المناسبات
449
ريم وانلي

هل تشكّل عودة ملايين السوريين المجتمع من جديد؟.. خبير لـ Syria One: أشكال جديدة من التفاهم والتعاون

مع تزايد أعداد السوريين العائدين من دول اللجوء ومناطق النزوح خلال الفترة الأخيرة، لا تقتصر الأسئلة المطروحة على قدرة المدن والبلدات على استيعاب هذه العودة من الناحية الخدمية والاقتصادية، بل تمتد إلى طبيعة التحولات الاجتماعية
417
قادة منتخبات كأس العالم يتبادلون رايات تندد بالكراهية وخطاب التحريض

قادة منتخبات كأس العالم يتبادلون رايات تندد بالكراهية وخطاب التحريض

يتبادل قادة المنتخبات في مباريات كأس العالم اليوم الخميس رايات خاصة تندد بالتمييز بمناسبة اليوم العالمي ​لمكافحة خطاب الكراهية، في الوقت الذي كشف فيه الاتحاد الدولي لكرة ‌القدم (الفيفا) عن حجب مئات الآلاف من المنشورات المسيئة
422
سيرياون إعلان 7