أعادت المراسيم الجمركية الصادرة في سوريا خلال عام 2026 تنظيم الرسوم المفروضة على المستوردات، عبر قانون جديد للجمارك وتعرفة جمركية معدّلة، قبل أن يأتي المرسوم رقم 188 الصادر في 12 تشرين الأول الجاري ليخفض رسوم استيراد عدد من الأجهزة الطبية ومعدات الطاقة والمولدات وغيرها من السلع.
وتطرح هذه التعديلات تساؤلات بشأن انعكاساتها على أسعار السلع وتكاليف الإنتاج المحلي وإيرادات الخزينة العامة، ومدى قدرة المستهلكين على الاستفادة من التخفيضات، في ظل ارتباط الأسعار بعوامل تتجاوز الرسوم الجمركية.
ويرى مستشار التحكيم التجاري الدولي والخبير في الشؤون الاقتصادية باسل تقي الدين، في تصريح لـSyria One، أن الرسوم الجمركية تمثل مورداً مهماً للخزينة العامة، معتبراً أن التعرفة الجديدة تمثل إصلاحاً لما كان معمولاً به سابقاً، لكنه يشير إلى أن غياب الشفافية الكافية والإحصائيات الموثقة في المرحلة الماضية يصعّب تقييم التغيرات الحالية على أساس مقارنات دقيقة.
ويؤكد تقي الدين ضرورة النظر إلى الرسوم الجمركية ومردودها بصورة إجمالية، موضحاً أن إيراداتها تتأثر بحجم الاستيراد وأنواعه، وترتبط كذلك بقدرة المواطنين على الشراء ومستويات دخلهم، التي تنعكس على الاستهلاك وحركة السوق.
المنافسة بين المنتج المحلي والمستورد
وفيما يتعلق بحماية الإنتاج المحلي، يرى تقي الدين أن المنتج السوري يواجه منافسة غير عادلة مع المنتجات المستوردة، موضحاً أن المشكلة لا تقتصر على الرسوم الجمركية، بل تشمل أيضاً التسهيلات التي يحصل عليها المنتجون في الدول المجاورة.
ويشير إلى أهمية دور المصارف في تقديم تسهيلات لتمويل استيراد مستلزمات الإنتاج، بما يساعد الصناعيين السوريين على تحسين قدرتهم التنافسية، لافتاً إلى أن المنتج المحلي يمتلك جودة مقبولة تؤهله للمنافسة.
وفي المقابل، يشدد على ضرورة مراقبة الأسعار بعد منح المنتجين هامش ربح معقول، بما يوازن بين استمرارية الإنتاج وحماية المستهلك من ارتفاع الأسعار.
هل تصل التخفيضات الجمركية إلى المستهلك؟
شملت التعديلات الأخيرة تخفيض رسوم استيراد عدد من الأجهزة الطبية ومعدات الطاقة والمولدات الكهربائية، لكن أثر هذه التخفيضات على الأسعار النهائية لا يتحدد بنسبة الرسم وحدها.
ويعتبر تقي الدين أن خفض الرسوم على الأجهزة الطبية يتيح للمواطنين فرصة الحصول على الأجهزة والخدمات الصحية بأسعار أقل، مشدداً على ضرورة اضطلاع الجهات الرقابية بدور جدي لمنع استغلال حاجة المواطنين إلى هذه الخدمات وتحويل التخفيضات إلى زيادة في أرباح بعض المستوردين بدلاً من انعكاسها على الأسعار.
أما بالنسبة إلى معدات الطاقة والمولدات، فيرى أن العرض والطلب يحددان الأسعار في السوق، وأن زيادة المعروض يمكن أن تدفع المستوردين إلى خفض أسعار البيع نتيجة المنافسة.
تخفيض الرسوم لا يكفي لخفض تكاليف الإنتاج
وعن أثر التخفيضات الجمركية في الصناعة المحلية، يوضح تقي الدين أن تحديد سعر أي منتج يرتبط بعوامل متعددة، بينها تكاليف الطاقة وأجور العمال والمواد الأولية، وما إذا كانت هذه المواد مستوردة أم متوافرة محلياً.
وبناءً على ذلك، يرى أن التخفيضات الجمركية تؤثر جزئياً في الكلفة الإجمالية للمنتج، لكنها لا تكفي وحدها لضمان انخفاض الأسعار أو تحسين القدرة التنافسية للصناعة السورية.
تسوية المخالفات ومنع التلاعب بالفواتير
وفي ما يتعلق بتسوية المخالفات الجمركية، يدعو تقي الدين إلى دراسة كل حالة على حدة، لتحديد أسباب المخالفة وحجمها، معتبراً أن من لا يملك عذراً يبرر مخالفته ينبغي أن يسدد كامل المستحقات المترتبة عليه، حفاظاً على حقوق المستوردين الذين التزموا بدفع الرسوم.
كما يحذر من مخاطر التلاعب بقيم الفواتير التجارية، مشدداً على ضرورة اعتماد دوائر الجمارك حداً أدنى للأسعار تستند إليه عند احتساب الرسوم، لتجنب التصريح عن قيم تقل عن القيمة الفعلية للبضائع، وما قد يفتح ذلك من مجال للفساد.
ويرى أن الحصول على الأسعار المرجعية ليس أمراً صعباً، ويمكن الاستناد إلى الأسعار العالمية للتحقق من الفواتير المقدمة، وعدم اعتماد الفواتير التي تقل عن تلك الأسعار بصورة غير مبررة.
ويخلص تقي الدين إلى أن تنشيط الاقتصاد لا يرتبط بالتصدير وحده، بل يتطلب أيضاً الاهتمام بالسوق الداخلية، معتبراً أن العرض والطلب والقدرة الشرائية للمواطنين عوامل أساسية في تحديد الأسعار وحركة النشاط الاقتصادي.






