لم يعد البحث عن منزل للإيجار في دمشق مجرد رحلة بحث عن سكن، بل أصبح مواجهة مع سوق مفتوح على المضاربات وارتفاعات متتالية لا تتوقف، حيث أصبحت أرقام الإيجارات تتجاوز أضعاف الدخل الشهري لأغلب العائلات بمراتب.
وفي الوقت الذي يراها البعض مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار العام، ترى التحليلات الاقتصادية أن أزمة الإيجارات بدمشق تحمل أبعاداً أكثر تعقيداً ترتبط بمركزية العاصمة وغياب التشريعات الضابطة للسوق.
حيث أوضح الخبير في الشأن العقاري الدكتور عمار يوسف، أن العاصمة دمشق تُعد المركز الرئيسي والتجاري والصناعي والاستثماري للبلاد، ما يجعلها المقصد الأول لعدد كبير من أهالي وسكان باقي المحافظات، وبالتالي أدى هذا الإقبال المتزايد للعاصمة إلى خلق خللٍ حاد بين العرض والطلب، حيث يفوق حجم الطلب على العقارات العرض المتاح بكثير.
70% نسبة الارتفاع
وأضاف يوسف في حديثه لـ Syria One بأن انخفاض القدرة الشرائية لليرة السورية ألقى بظلاله على مختلف المحافظات، حيث دفع المؤجرين لرفع أسعار الإيجارات لتعويض الهبوط في القيمة الشرائية، إلا أن هذه الحالة تتجلى بشكل أكثر حدة في دمشق وريفها، نظراً لارتفاع الطلب عليها مقارنة بغيرها، لا سيما مع توافد أعداد من الوافدين الجدد، سواء من النازحين داخلياً أو العائدين من دول اللجوء والاغتراب.
مشيراً إلى أن تغيرات أسعار الإيجارات تسير بوتيرة متواترة ومستمرة، حيث تسجل الإيجارات زيادة تتراوح بين 10% إلى 15% كل شهرين أو ثلاثة أشهر، وعلى سبيل المثال، العقار الذي كان إيجاره بحدود 300 دولار في بداية العام، ارتفع ليصل إلى 400 دولار.
ولذلك يؤدي الارتفاع المتواصل عن تراجع القيمة الشرائية لليرة، وارتفاع سعر صرف الدولار، إلى جانب زيادة الطلب في مراكز المدن، مما يجعل نسبة الارتفاع الإجمالية تتراوح بين 60% إلى 70% مقارنة ببداية العام.
مستأجرين بملاءة مالية أعلى
وفي سؤالنا عن سبب ارتفاع أسعار الإيجارات في الأحياء الشعبية بدمشق، أوضح يوسف أن السبب الأساسي لارتفاع الإيجارات في المناطق والأحياء الشعبية، يعود إلى تراجع شريحة المستأجرين الذين كانوا يمتلكون ملاءة مالية تمكنهم من الاستئجار في الأحياء الراقية، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وقلة الموارد، اضطرت هذه الشريحة للتوجه نحو الأحياء الشعبية كبديل، مما تسبب في زيادة الطلب في هذه المناطق، ودخول مستأجرين بملاءة مالية أعلى نسبياً مقارنة بالسكان المحليين للأحياء الشعبية، الأمر الذي شجع المالكين على رفع الأسعار مستفيدين من انتقال الطلب من الأحياء المرتفعة السعر إلى المناطق الشعبية.
الإيجار أربعة أضعاف الراتب
وخلال الأيام الفائتة تناقلت عدد من الصفحات الفيسبوكية مقارنات بين الإيجار في دمشق وعدة مدن أوروبية، وعلى سبيل المثال فإن إيجار شقة في وسط دمشق يقارب 449 يورو، بينما متوسط الراتب الشهري يعادل نحو 116 يورو، أي أن الإيجار بأربعة أضعاف الراتب تقريباً.
بينما إيجار شقة بمدينة مثل أمستردام في هولندا، يبلغ 1.700 يورو، ولكن متوسط الراتب الشهري يقارب 4.170 يورو، أي أن نسبة الإيجار من الراتب لا تزيد عن 41% فقط.
وهنا يؤكد الدكتور يوسف أن المقارنة بين أسعار الإيجارات في دمشق وأي مدن أو عواصم عالمية تُعد "مقارنة غير مقبولة وظالمة للواقع العقاري في سوريا، موضحاً أنه على الرغم من أن قيمة الإيجار الإسمية في دمشق، قد تتساوى أو تقترب أحياناً من بعض المدن الخارجية، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في مستوى الدخل الفردي.
فالحد الأدنى للدخل في تلك الدول يتراوح بين 600 إلى 700 دولار، بينما لا يتعدى الحد الأعلى للدخل في سوريا 100 إلى 150 دولاراً. وهذا يعني أن الإيجار في سوريا يلتهم أضعاف دخل الفرد أو الأسرة مقارنة بالدول الأخرى التي لا يتجاوز فيها القسط الإيجاري 30% من دخل الفرد.
وعن أسباب التفاوت والمضاربة، أشار إلى غياب نظام عقاري مخصص للإيجارات في سوريا، مقارنة بالدول الأخرى التي تخصص عقارات محددة للإيجار منعاً للمضاربة، حيث يخضع السوق المحلي لمضاربات تجارية ترتبط بركود أو انتعاش حركة البيع والشراء العقاري.
معادلة العرض والطلب
ختاماً اعتبر الخبير العقاري الدكتور عمار يوسف، أنه لا يوجد حل عملي لضبط أسعار الإيجارات في الوقت الراهن، موضحاً أن سوق الإيجارات يقوم كلياً على معادلة العرض والطلب، محذراً من الطروحات المتفائلة التي تطالب بتدخل الدولة لفرض سقف محدد للأسعار.
مضيفاً بأن تحديد الأسعار إدارياً سينتج عنه مشكلة أكبر وأشد خطورة، تتمثل في امتناع المؤجرين والمالكين عن طرح عقاراتهم للإيجار بالأسعار المفروضة. مجدداً التأكيد على أن العقد يظل شريعة المتعاقدين، وفي ظل خيار المالك في تأجير عقاره من عدمه، تبقى الأزمة قائمة بدون حلول تنظيمية مباشرة في الوقت الحالي.






