سياسي

التحريض يشوه صورة الدولة ويطرد الاستثمار.. كيف يدفع السوريون ثمن الخطاب الطائفي؟

29
التحريض يشوه صورة الدولة ويطرد الاستثمار.. كيف يدفع السوريون ثمن الخطاب الطائفي؟

تشهد منصات التواصل الاجتماعي موجات متصاعدة من التحريض وخطابات الكراهية التي تترك آثاراً سلبية تتجاوز الفضاء الافتراضي لتنعكس على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في وقت حساس تسعى فيه سوريا إلى استعادة مكانتها الاقتصادية وجذب الاستثمارات اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار والتعافي.


الخطاب لا يقتصر على إثارة التوترات الداخلية فحسب، بل يمتد إلى تشكيل صورة ذهنية سلبية عن البيئة السورية لدى الجهات الاستثمارية التي تراقب المشهد عن كثب قبل اتخاذ أي قرار بالدخول إلى السوق السورية أو إطلاق مشاريع جديدة فيها.


وفي هذا السياق يرى المحلل والباحث في الاقتصاد السياسي ميلاد مالك الأطرش في حديثه لموقع Syria One أنه في المراحل الانتقالية التي تمر بها الدول الخارجة من الثورات، لا يقتصر مفهوم الاستقرار على الأمن والسياسة فحسب، بل يمتد ليشمل الفضاء الإعلامي والرقمي أيضاً، فالكلمة التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي قد تكون قادرة على إحداث تأثير يتجاوز حدود النقاش العام، لتنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد وفرص الاستثمار ومستقبل التنمية.


ويضيف أن المستثمر اليوم يراقب الصورة العامة للدولة كما تُعرض على المنصات الرقمية، وعندما يطغى خطاب التحريض الطائفي والكراهية على المشهد الإلكتروني، تتشكل لدى المتابعين في الخارج انطباعات سلبية حول مستوى الاستقرار الاجتماعي، حتى وإن كانت هذه الصورة لا تعكس الواقع الحقيقي على الأرض.


حملات التحريض والمقاطعة الأخيرة التي تتصاعد تستهدف الساحل السوري بصورة خاصة، الأمر الذي يخلق انطباعات مضللة عن واقع المنطقة واستقرارها، وبينما تتداول بعض الحسابات والمجموعات روايات متشنجة ومبالغاً فيها، تبدو الصورة على الأرض مختلفة إلى حد كبير، حيث تستمر الحياة اليومية بشكل طبيعي دون وجود ما يبرر حالة التهويل التي يجري الترويج لها، غير أن المشكلة لا تكمن فقط في مدى دقة هذه الروايات، بل في حجم انتشارها وتأثيرها على المتابعين داخل سوريا وخارجها.


ويشير الباحث الأطرش على أنه في الحالة السورية، تتعرض بعض المناطق، ولا سيما الساحل السوري، لحملات تضخيم إعلامية ممنهجة تسعى إلى تصوير الأوضاع بصورة أكثر توتراً مما هي عليه فعلياً، ومع سرعة انتشار المعلومات عبر المنصات الرقمية، تتحول الشائعات والخطابات التحريضية إلى عامل ضغط يؤثر في قرارات المستثمرين والشركات التي تبحث بطبيعتها عن بيئة مستقرة وآمنة لرؤوس أموالها.


المستثمرون والمؤسسات الاقتصادية يعتمدون بشكل متزايد على الرصد الرقمي وقياس مؤشرات الاستقرار المجتمعي والسياسي قبل ضخ أي أموال أو إطلاق مشاريع طويلة الأمد، واليوم لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للنقاش المحلي، بل أصبحت جزءاً من الصورة العامة لأي دولة، حيث أن ما يُنشر في الفضاء السوري بات محل متابعة من جهات دولية ومؤسسات اقتصادية وشركات استثمارية تراقب طبيعة الخطاب السائد ومستوى الاستقرار المجتمعي.


إن انتشار خطاب التحريض والكراهية يرسل رسائل معاكسة تماماً لما تحتاجه البلاد في ظل المرحلة انتقالية الحالية التي تسعى فيها الدولة إلى بناء الثقة واستعادة العلاقات الاقتصادية وفتح الأبواب أمام الاستثمارات، فالمستثمر يبحث أولاً عن بيئة مستقرة ومجتمع قادر على إدارة خلافاته ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، وليس عن ساحة تبدو في حالة صراع دائم على شاشات الهواتف.


السوريون الخاسر الأكبر


إن استمرار التحريض لا يضر بصورة الدولة فقط، بل ينعكس مباشرة على فرص العمل والتنمية وتحسين الواقع المعيشي للسكان، فكل مشروع استثماري يتردد في القدوم بسبب صورة سلبية أو مخاوف تتعلق بالاستقرار، يعني فرصاً أقل للنمو الاقتصادي وفرص العمل والخدمات.


لذلك يرى محللون أن مواجهة خطاب الكراهية والتحريض لا يندرج فقط ضمن إطار المسؤولية الأخلاقية أو الوطنية، بل تمثل أيضاً ضرورة اقتصادية ترتبط بمستقبل التنمية في سوريا وقدرتها على جذب رؤوس الأموال وإعادة تنشيط اقتصادها.


المفارقة أن كثيراً من الخطابات التحريضية المتداولة تبدو بعيدة عن الواقع الميداني، وتعكس حالة من المبالغة والتضخيم أكثر مما تعكس حقائق قائمة، إلا أن الضرر لا يرتبط دائماً بحقيقة ما يُقال، بل أحياناً بالصورة التي تُنقل إلى الخارج وكيفية تلقيها من قبل الجهات التي تراقب المشهد السوري.


وفي ظل التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها البلاد، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب مسؤول يعزز الاستقرار ويشجع على الانفتاح الاقتصادي، بدلاً من خطابات تؤدي عملياً إلى تنفير المستثمرين وتعقيد مسار التعافي الذي يحتاجه السوريون أكثر من أي وقت مضى.


وفي هذا السياق يشير الباحث الأطرش إلى أن تراجع الاستثمار لا يعني مجرد خسارة أرقام في التقارير الاقتصادية، بل ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، فكل مشروع يتأخر أو يُلغى يعني فرص عمل أقل للشباب، وتباطؤاً في عجلة الإنتاج، وتراجعاً في قدرة الاقتصاد على التعافي، ومن هنا يصبح المتضرر الأول من خطاب التحريض ليس الدولة وحدها، بل المجتمع بأكمله.


ويضيف أن الاستقرار الرقمي بات جزءاً أساسياً من الاستقرار الاقتصادي، فالدول الحديثة تدرك أن حماية الفضاء الإلكتروني من حملات الكراهية والتضليل ليست قضية إعلامية فقط، بل ضرورة تنموية واقتصادية أيضاً فالثقة هي رأس المال الحقيقي الذي تبحث عنه الأسواق، وأي خطاب يهدد هذه الثقة ينعكس سلباً على فرص النمو والاستثمار.


وحول مواجهة هذا الخطاب وضرورة التصدي له يختتم الباحث الأطرش حديثه لموقع Syria One بالقول: إن مسؤولية مواجهة التحريض الطائفي لا تقع على المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ من الإعلام وتنتهي عند كل مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي، فالكلمة المسؤولة تسهم في بناء صورة إيجابية عن الوطن، بينما قد تتحول الكلمة المحرضة إلى عائق أمام جهود التعافي وإعادة البناء.


ويرى أن الرهان الحقيقي يبقى على وعي السوريين وقدرتهم على تقديم صورة تعكس واقعهم وتطلعاتهم نحو دولة مستقرة ومتماسكة، فحين ينتصر خطاب المواطنة على خطاب الانقسام، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، ويصبح المستقبل أكثر أملاً للجميع.


مقالات ذات صلة

عراقجي: الهدنة بين إيران وأمريكا تشمل لبنان

عراقجي: الهدنة بين إيران وأمريكا تشمل لبنان

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ​اليوم الاثنين إن وقف ‌إطلاق النار القائم بالفعل بين إيران والولايات المتحدة يشمل بشكل ​واضح لا لبس فيه ​جميع الجبهات، بما في ذلك ⁠لبنان
32
ترامب: إيران ترغب حقا ​في إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة

ترامب: إيران ترغب حقا ​في إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الاثنين إن إيران ترغب حقا ​في إبرام اتفاق مع الولايات
69
أمريكا تقترح خطة جديدة للتهدئة بين لبنان وإسرائيل

أمريكا تقترح خطة جديدة للتهدئة بين لبنان وإسرائيل

قال مسؤول أمريكي إن وزير الخارجية ماركو روبيو تحدث مع كل من ​الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي
88
إيران تنفي استقالة بزشكيان وتؤكد على استمرار تبادل الرسائل مع واشنطن

إيران تنفي استقالة بزشكيان وتؤكد على استمرار تبادل الرسائل مع واشنطن

نفى مسؤولون إيرانيون ما ذكرته تقارير أفادت أن الرئيس مسعود بزشكيان، استقال بعدما ترددت مزاعم بفقده السلطة لصالح الحرس الثوري الإيراني، مؤكدين استمرار تبادل رسائل المفاوضات مع واشنطن
85
الشرع وترامب يبحثان العلاقات الثنائية ومستجدات الأوضاع الإقليمية

الشرع وترامب يبحثان العلاقات الثنائية ومستجدات الأوضاع الإقليمية

بحث الرئيس السوري أحمد الشرع هاتفياً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العلاقات الثنائية ومستجدات الأوضاع الإقليمية
88
سيرياون إعلان 7