تواجه مكونات التنوع الحيوي في سوريا تهديدات متزايدة بفعل التغيرات المناخية والأنشطة البشرية وتداعيات سنوات الحرب، وسط نقص في التوثيق العلمي والبيانات التي تسمح بتحديد حجم الخسائر البيئية، وبين تراجع الموائل الطبيعية وغياب قواعد المعلومات، تبرز الحاجة إلى جهود متكاملة لحماية الأنواع الحية واستعادة التوازن البيئي.
ويشير استشاري إدارة الموارد الطبيعية، الدكتور موفق الشيخ علي، في تحليل خاص بـSyria One، إلى أن الاهتمام العالمي بالتنوع الحيوي تعزز خلال العقود الخمسة الماضية، وصولاً إلى اتفاقية التنوع الحيوي التي أُقرت خلال قمة الأرض في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992، بعد تزايد المؤشرات على انحسار مساحات الحياة البرية وتراجع الموائل الطبيعية، بما يهدد قدرة الأنواع النباتية والحيوانية والفطرية، بمختلف تراكيبها الوراثية، على إيجاد ملاذات آمنة لاستمرارها والتكاثر الطبيعي، ووصول بعضها إلى حافة الانقراض.
ويوضح الشيخ علي أن التهديدات التي تواجه التنوع الحيوي في سوريا تتوزع بين عوامل عامة، تشمل التوسع العمراني على الأراضي الزراعية والطبيعية، وحرائق الغابات، والرعي الجائر، والتغيرات المناخية، والاستثمارات الصناعية واستخراج الثروات المعدنية كالنفط والغاز والفوسفات، إلى جانب الصيد العشوائي البري والبحري.
في المقابل، ترتبط تهديدات أخرى بضعف البنية العلمية والمؤسساتية، أبرزها غياب مرجعية وطنية متكاملة لمكونات التنوع الحيوي، تشمل الموسوعات والمتاحف والمعشبات والحدائق النباتية وبنوك الأصول الوراثية، فضلاً عن عدم توفر قواعد بيانات وخرائط توضح توزع الأنواع وكثافتها الجغرافية، وشبه غياب المؤسسات البحثية السورية عن مراكز وقواعد البحوث الدولية المتخصصة.
ويضيف أن الحرب وما رافقها من معارك لأطراف وجيوش مختلفة زادت من ضبابية المعرفة بالتنوع الحيوي في البلاد، ما يجعل تحديد حجم الخسائر أمراً بالغ الصعوبة، سواء على مستوى الأنواع التي فُقدت أو الأفراد التي تراجعت أعدادها، ويتطلب ذلك سنوات من المسوحات الحقلية، والاستعانة بتقنيات الاستشعار عن بعد لتتبع الأضرار التي طالت البيئات والموائل الطبيعية.
ويعزو الشيخ علي جانباً من صعوبة التقييم إلى غياب التوثيق السابق، الذي كان يفترض أن يشكل خط أساس علمياً يمكن مقارنة التغيرات الحالية به.
ولمواجهة هذه التحديات، يدعو إلى جمع المصادر التاريخية التي وثقت النباتات والحيوانات السورية، مشيراً إلى أن علماء غربيين وعرباً نشروا كتباً ومقالات عنها منذ نهايات القرن السادس عشر.
كما يقترح تقسيم البلاد إلى قطاعات ذات أهمية خاصة للتنوع الحيوي، وتنسيق الأبحاث بين الجامعات ومراكز الدراسات وفق أولويات تراعي الغنى النوعي والضغوط البيئية، ويشدد كذلك على إنشاء قواعد بيانات مفتوحة ومتاحف ومعشبات طبيعية، وتوسيع المحميات بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وإدماج مناطق الأهمية الخاصة للتنوع الحيوي (KBAs) في التخطيط الإقليمي والبيئي، والاستفادة من برامج التمويل الدولية في التوثيق والتدريب وبناء القدرات واستعادة التنوع الحيوي.
وفي سياق جهود التوثيق، أسس الشيخ علي مبادرة "فلورة سورية أونلاين" (FSOL)، وهي قاعدة بيانات نباتية مفتوحة ومجانية، يتولى تمويلها والإشراف على تطويرها مادياً وفنياً، وبعد 17 عاماً من العمل، وثّقت المبادرة وجود 3228 نوعاً نباتياً في أكثر من 75 ألف موقع موزع على كامل الأراضي السورية.
ويضم الموقع نحو 500 ألف معلومة وصورة وخريطة عن النباتات السورية، كما اندمج مع أهم قواعد البيانات العالمية، وأصبح مرجعاً للعديد من النشرات العلمية لباحثين سوريين وعرب حول نباتات سوريا والمنطقة، فيما تجاوز عدد زواره حتى اليوم أربعة ملايين زائر.







