تثير خطة الحكومة السورية لإطلاق شركة جديدة تتولى إدارة وتطوير أكثر من 500 صالة من صالات "السورية للتجارة"، مع إلزامها بتأمين مخزون من المواد يكفي لأكثر من شهرين، تساؤلات حول طبيعة الدور الاقتصادي للدولة، ومدى قدرة هذه الخطوة على ضبط الأسعار ومواجهة الاحتكار، في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
وهل يمكن اعتبار هذه الخطوة بأنها عود على بدء، بمعنى العودة للاقتصاد الاشتراكي بعد الإعلان عن توجه الاقتصاد السوري للسوق المفتوح؟
وفي هذا الشأن، يرى أستاذ كلية الاقتصاد في جامعة حلب، الدكتور حسن حزوري، أن هذه الخطوة لا تمثل عودة كاملة إلى الاقتصاد الاشتراكي، بقدر ما تعكس توجهاً نحو التدخل في السوق لمواجهة الغلاء والاحتكار وحماية أصحاب الدخل المحدود.
براغماتية الأزمات
وأوضح حزوري في حديثه لـ Syria One، أن هذه الخطوة لا تعد عودة كاملة للاشتراكية، بل هي "براغماتية الأزمات"، حيث أن التوجه العام للدولة خلال السنوات الأخيرة أعلن صراحةً الانتقال نحو اقتصاد السوق والانفتاح وتفعيل دور القطاع الخاص.
لكن الشارع السوري يعاني من موجات تضخم حادة واحتكار وغلاء معيشي تجعل ترك السوق لآليات العرض والطلب المطلقة دون ضابط، مجحفاً للغاية بحق ذوي الدخل المحدود.
معتبراً أن ما تفعله الحكومة ليس إلغاءً لاقتصاد السوق، بل محاولة لخلق "موازن استراتيجي"، كون النموذج المقترح يشبه شركات التدخل الإيجابي أو المؤسسات الاستهلاكية الكبرى في اقتصاديات كبرى، (حتى الرأسمالية منها)، التي تتدخل عبر مؤسساتها لكسر الاحتكار وتثبيت الأسعار عندما تختل الأسواق، دون أن تلغي القطاع الخاص.
وبالتالي هي "رأسمالية مقيدة" أو "اقتصاد سوق اجتماعي" بمعناه العملي الطارئ لمواجهة الاحتكار والغلاء، وليست عودة للتأميم والتخطيط المركزي الشامل.
دور تمويني دون استنساخ البطاقة الذكية
وفيما يتعلق بإمكانية العودة إلى البطاقة الذكية أو الدور التقليدي لوزارة التموين، يميز حزوري بين تقنين المواد وتوزيعها عبر البطاقات الإلكترونية، وبين التدخل الإيجابي من خلال الصالات التجارية.
مشيراُ إلى أن الشركة الجديدة ليست مضطرة إلى إعادة تجربة البطاقة الذكية بصيغتها السابقة، التي ارتبطت بتقنين المواد الأساسية وشحها، لكنها تستطيع استعادة جوهر الدور التمويني من خلال حماية المستهلك وضبط الأسعار وتوفير السلع عند الأزمات.
ويعدّ تأمين مخزون استراتيجي يكفي لأكثر من شهرين عنصراً أساسياً في هذا التوجه، إذ يمنح الدولة القدرة على ضخ المواد في الأسواق عند حدوث نقص أو ارتفاع غير مبرر في الأسعار.
تحديات السيولة والروتين الحكومي
وحذر أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب من أن نجاح الشركة يصطدم بتحديات مالية وإدارية ولوجستية معقدة، أبرزها تأمين السيولة والقطع الأجنبي اللازمين للاستيراد وتغطية تكاليف تشغيل مئات الصالات، حيث أن تأمين مخزون استراتيجي يكفي لأكثر من شهرين لمئات الصالات يتطلب كتل مالية ضخمة وقدرة مستمرة على فتح اعتمادات مستندية واستيراد المواد من الخارج.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، قد تعاني الشركة الوليدة من صعوبة توفير القطع الأجنبي اللازم للاستيراد المباشر بالسرعة الكافية، مما يجعلها رهينة لتقلبات سعر الصرف أو الاعتماد على قروض أو تمويلات قد تضغط على الموازنة العامة، فضلاً عن صعوبة تأمين البنية التحتية ووسائل النقل والتخزين.
مشدداً على ضرورة الحد من الروتين الحكومي، ومنح الشركة صلاحيات واسعة لاتخاذ القرارات التجارية بسرعة، بما يسمح لها بمواكبة تغيرات السوق والتعاقد المباشر مع المنتجين والمزارعين والصناعيين المحليين، لتقليل الوسائط وتوفير السلع بأسعار تنافسية.
كما يجب الانتباه بشدة لمخاطر الفساد وتسريب المواد إلى السوق السوداء، خصوصاً عندما تكون أسعار السلع في الصالات أقل من أسعار السوق، ما يستدعي اعتماد أنظمة رقابة رقمية وشفافة تضمن سلامة التوزيع ووصول المواد إلى المستهلكين.
تغيير جذري أو عبء إضافي
وفي الختام اعتبر حزوري أن الأدوات الحكومية التقليدية قد تكون عاجزة عن تجاوز التحديات والتنفيذ، في ظل بطء إجراءات الشراء والتعاقد، وضعف القدرة على استقطاب الكفاءات التجارية واللوجستية، وصعوبة المنافسة مع تجار الجملة في التمويل وسلاسل التوريد.
وعليه فإن نجاح الشركة يتطلب تغييراً جذرياً في نموذج عملها، عبر منحها استقلالية إدارية ومالية، واعتماد أجور تحفّز الكفاءات، وإدارة تجارية مرنة تجمع بين الاستدامة المالية والهدف الاجتماعي، فمن دون هذه الشروط، قد تتحول الشركة إلى عبء إضافي على الموازنة العامة، بدلاً من أن تكون أداة فاعلة لضبط الأسواق وحماية المستهلك.






