يجلس مازن أبو محمد خلف "بسطته"، ليبيع أنواع مختلفة من التبغ للمارة، وبكونها مصدر رزقه الوحيد، فهو يستخدم دراجة نارية ثلاثية العجلات لتكون "البسطة"، ووسيلة الابتعاد عن المكان بأقصى سرعة ممكنة في حال حضرت دوريات المحافظة التي تمنع وجود البسطات في الشوارع، ويعد الرجل الخمسيني واحداً من باعة قلائل مازالوا يتعاملون بأنواع التبغ المصنع محلياً، وهو يمتلك صنف "الحمراء الطويلة" القديمة، الذي بات نادر الوجود في الأسواق منذ بداية مرحلة ما بعد سقوط النظام، ما جعل السعر يتضاعف عدة مرات وصولاً إلى 40 ألف ليرة قديمة للعلبة الواحدة، علماً أن سعرها قبل سقوط النظام كان يقف عند 8 آلاف ليرة قديمة، ويقول أبو محمد لـ Syria One، إن السعر يحدد من قبل التجار الذين مايزالون يحتفظون بكميات من هذا الصنف الذي يعد الأكثر طلباً من بين أصناف التبغ المصنع محلياً، وعلى الرغم من سعره العالي ما زال عدد لا بأس به من الزبائن يطلبه وبعضهم يقطعون مسافات طويلة للوصول إليه أو إلى أي محل تجاري أو "بسطة" تمتلك هذا النوع من التبغ، خاصة وإن عدداً كبيراً من باعة التبغ لا يتعاملون بالأصناف المرتفعة السعر لكون الطلب عليها قليل.
حمراء مسروقة وأخرى عراقية
ويقول صاحب أحد مراكز توزيع التبغ بمنطقة "الشيخ سعد" لـ Syria One إن الحمراء الطويلة القديمة على وجه التحديد باتت ملاحقة من دوريات التموين والجمارك، فهو غير موجود في المؤسسة العامة للتبغ التي تعرف باسم "الريجي" على الرغم من عدم وجود قرار يشير إلى توقف التصنيع أو ما شابه، والبعض يقول إن الكميات الموجودة في السوق من هذا الصنف تحديداً سرقت من مستودعات المؤسسة خلال الأيام الأولى التي تلت سقوط النظام، وتم تخزينها مع كميات من أصناف أخرى، وبكون هذا الصنف هو الأكثر طلباً بات من يمتلك أي كمية منه يتحكم بالسعر حسب مزاجه، ونتيجة لهذا الطلب ظهر في الأسواق أنواع مزورة من التبغ الوطني وخاصة صنفي الحمراء الطويلة القديمة والجديدة، وتعرف الأصناف المزورة باسم "الحمراء العراقية"، في محاولة من مصنيعها للترويج لها على إنها صنف يتم تهريبه من العراق إلى سوريا، لكن الأمر غير صحيح وهي تحتوي على تبغ مجهول المصدر وقد يكون خطره شديد، كما أن "الحمراء الطويلة القديمة"، على وجه التحديد ترتبط لدى الناس بصورة متعاطي الممنوعات وخاصة "الحشيش المخدر"، ويستخدم البعض كلمة "شو مدكوكة"، في محاولة للمزاح مع من يدخن هذا الصنف في إشارة إلى أنها قد تكون سيجارة محشوة بالمادة المخدرة، فاحتراق الحمراء الطويلة بطيء قياساً ببقية الأصناف المعروفة من التبغ.
ويشير صاحب المركز إلى أن أسعار التبغ بكافة أنواعه ارتفعت بشكل كبير جداً، وعلى الرغم من ذلك فإن "الحمراء الطويلة القديمة"، تنافس من حيث السعر أفخم أنواع التبغ مثل "المالبورو"، فهي تساويه بالسعر تقريباً، وتفوق بعض أنواعه بنسبة تصل لـ 25%، كما إنها ضعف سعر بعض الأنواع الأجنبية الشهيرة مثل "كينت – وينتسون"، ومع ذلك ما يزال لها راغبون وكل منهم يبرر الأمر بالاعتياد على طعمها وطريقة احتراقها، أما بقية أصناف التبغ المحلي الصنع ما تزال تحافظ على أسعار منطقية قياساً ببقية الأنواع فـ "الحمراء القصيرة"، على سبيل المثال تباع بسعر يتراوح بين 5500 – 7000 ليرة قديمة، فيما تبع الحمراء الطويلة الجديدة بسعر 10 آلاف ليرة قديمة، وظهر في الأسواق بعد السقوط كميات كبيرة من أنواع كان الباعة لا يتعاملون بها لكونها غير مطلوبة مثل "شام – الشرق – إيبلا"، وهذه الأصناف وجدت من يرغب بها على الرغم من ظهور العفن بشكل واضح على السجائر بسبب طول مدة التخزين غير الصحيحة.
ماذا يدخن الفقراء؟
يعترف المدخنون بأن الضرر الصحي كبير بسبب إدمانهم على التبغ، لكن هذا الاعتراف لا يعني أن أياً منهم قد يبدي استعداده بسهولة للإقلاع عن التدخين، ومع ارتفاع الأسعار يلجئ أصحاب الدخل المحدود للتعود على الأصناف التي لا ترهق ميزانيتهم اليومية، ما يجعل الفرد في حالة بحث مستمر عن الخيارات الأقل ضررا مادياً وصحياً، وهنا يتحدث لـ Syria One مهند الأحمد الذي يدير محلاً صغيراً لبيع التبغ في منطقة المزة بأن التبغ الخام والذي يعرف باسم "الدخان العربي"، يشهد إقبالاً متزايداً من قبل الزبائن ولهذا يقوم بطلب كميات من التبغ من مناطق الساحل السوري ليبيعها بالوزن، والأمر يحتاج لإمتلاك مهارة "لف السجائر"، التي تصبح سهلة مع الممارسة، ويتراوح سعر الكيلو بين 300 - 350 ألف ليرة سورية قديمة بحسب نوعية التبغ ومصدره.
بدوره يقول أحمد الحسن لـ Syria One بأن التدخين بات يحتاج لميزانية خاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود وخاصة لمن فقدوا أعمالهم وباتوا خارج الوظائف الحكومية وتحولوا لعمال أو باعة خبز أو سائقي تكسي، وأعرف بعض الأشخاص الذين أقلعوا عن التدخين بسبب ارتفاع أسعاره، أو فقدان الأصناف التي كانوا يدخنوها، وإن كان الأمر إيجابياً على المستوى الصحي، فإنه يعكس ضعف القدرة الشرائية وسوء الأحوال المعيشية لشريحة واسعة من السوريين، مع الإشارة هنا إلى أن المدخن الذي يحتاج لعلبتي تبغ يومياً كمعدل وسطي، يحتاج لإنفاق ما بين 12 - 20 ألف يومياً، وبالتالي يحتاج لما يقارب 600 ألف ليرة سورية قديمة على المستوى الشهري، وهذا رقم يعادل نصف راتب غالبية الموظفين في المؤسسات الحكومية، وبالتالي كانت النتيجة تخلي البعض عن التدخين بسبب الفقر لا بدافع الحفاظ على الصحة، وآخرون بحثوا عن خيارات أقل ضرراً على المستوى المادي.






