فن

"الخروج إلى البئر".. هل حقاً هذا ما حدث؟!

889
"الخروج إلى البئر".. هل حقاً هذا ما حدث؟!

محمود عبد اللطيف


الاستناد إلى حدث تاريخي بحجم «استعصاء صيدنايا»، لكتابة حكاية متخيلة تُقحم شخوصها على بنية الحدث مع القيام بـتطويعه لبناء نص مشوق، قد يكون خطيئة معرفية مغفورة، شرط ألا يدعي صنّاع هذا العمل أو ذاك أن عملهم يوثّق الحدث. وإن كان «استعصاء صيدنايا» الأول والثاني من الملفات المسكوت عنها بشكل قسري لسنوات طويلة، فإن الشركة التي تتصدى لمثل هذا الحدث لتقدمه للسوريين خصوصاً، والمهتمين بالشأن العربي عموماً، ملزمة برواية توثيقية يُعاد بناؤها بالشكل المتوافق مع «علم السيناريو»، ليكون العمل في النهاية شكلاً مرئياً للوثيقة، مع الحرص ألا يكون ثمة مواربة أو تعديل في مسار الأحداث المرافقة أو التي تسند الحكاية.


في مسلسله «الخروج إلى البئر»، قرر سامر رضوان أن يجعل بطل حكايته «سلطان الغالب»، التي جسدها «جمال سليمان»، هو محور قصة الاستعصاء؛ فالبطل المتخيل هو الرجل الأكثر احتراماً من كل المعتقلين في السجن بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية، فهو مقرب من الإسلاميين بمختلف طبقات تشددهم، ومقرب من اليساريين بمختلف ميولهم، وبالتالي سيخوض المفاوضات مع اللواء «ناصيف»، الذي تخيله أيضاً ليكون الشخصية التي تمثل «دموية النظام» وعقله الاستخباراتي. و«ناصيف» شخصية مفترضة ولا وجود لها حقيقة، فمراجعة أي مصدر تاريخي ستقول إن رئيس شعبة المخابرات العسكرية في زمن الحكاية الحقيقية كان «آصف شوكت»، والمصادر التاريخية والشهادات المتوافرة حول الحدث تقول إن من أدار أزمة الاستعصاء كان «منير أدنوف»، اللواء الذي وصل لرتبة «عماد» وشغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة قبل تقاعده. كما تقول المصادر التاريخية أيضاً إن وزارة الدفاع في ذلك الوقت عينت العميد «طلعت محفوض» مديراً لـ «سجن صيدنايا»، ليتعامل بـ «القوة المميتة» مع الملف وينهي الاعتصام بـ «مجزرة»، ولم يكن اسمه «طلال محفوض» كما ظهر في المسلسل، ولم يكن قرار نظام الأسد في حل الأزمة بترك المعتقلين محاصرين لأطول فترة ممكنة بما يخلق صراعاً فيما بينهم يفضي لإضعاف قوتهم، فمثل هذا «الحل الكيوت» لا يمكن أن يخطر في بال النظام.


المسلسل عبث بحدثين مهمين وبطريقة عابرة أيضاً؛ فحينما تم توظيف صوت «بشار الأسد» خلال مشهد اتصال مع «اللواء ناصيف»، قيل إن الأسد التقى بالرئيس العراقي في زمن الحكاية والقصد هنا العام 2008، لكن الأسد لم يلتقِ بالرئيس العراقي «جلال طالباني» إلا مرة واحدة في العام 2007. وحينما ورد في مشهد بين اللواء ناصيف ومساعده أن الأمريكيين نفذوا عملية في الداخل السوري بناءً على معلومات سلّمها «هشام الغزال» لتصفية عراقي متعامل مع النظام السوري، فإن الأمر يوحي بأن المقصود هو الإنزال الذي نفذته القوات الأمريكية في العام 2008 في قرية «السكرية» التابعة لمدينة البوكمال شرق دير الزور، وقضى فيه ثلاثة سوريين من عائلة واحدة آنذاك، بزعم تعاملهم مع التنظيمات المتطرفة، ثم من هو «هشام الغزّال» حقيقة؟! هل المقصود الأردني «أبو مصعب الزرقاوي» الذي كان يعد أعلى سلطة بين التنظيمات التي نشطت في العراق، أم شخصية أخرى؟!


في التاريخ أيضاً يبدو العمل من خلال شخصنة الصراع في استعصاء صيدنايا بين البطل «سلطان الغالب» و«اللواء ناصيف»، هو السبب في تأزم الموقف أكثر مما تسبب به معتقلو تنظيم القاعدة الذين كان يقودهم -كما افترض الكاتب- شخصية «أبو حذيفة» التي جسدها «غطفان غنوم». وفي نهاية الأمر - ومن حيث لا يقصد - ترك الكاتب الحكاية تسير لتكون المخابرات السورية صاحبة رد الفعل، وأن المعتقلين هم من بادروا لفعل القتل بعد الاعتداء عليهم بـ «الضرب»، وأفعال القتال التي بدأت من تصفية النقيب الذي سبّ الذات الإلهية ويعذب السجناء، التي لعبها «طارق مرعشلي»، على يد أحد المعتقلين ومن باب الانتقام الشخصي لا أكثر. فكيف يمكن وضع «الخروج إلى البئر» في خانة العمل الذي يوثق حدثاً أحرج النظام أمام الرأي العالمي؟ مع الإشارة هنا إلى أن العمل قد يُؤخذ من قبل الجمهور البسيط على أنه حقيقة ما حدث، وهذا يعيد التذكير بضرورة الإحساس العالي بالمسؤولية العلمية أمام كتابة مثل هكذا أعمال؛ فالتاريخ مادة وإن كانت ملهمة لكتابة الأعمال الدرامية، إلا أنها تحتاج للجان مراجعة أكاديمية ومقاطعة المصادر التي توثق هذا الحدث أو ذاك، لضمان تقديمه للجمهور بأعلى مستوى ممكن من الحقيقة.


الأسئلة في التاريخ لا تعني أن العمل كان سيئاً لجهة تحقيق شرط «الفرجة»، رغم تباعد الخطوط الثلاثة «العائلة - السجن - العراق» عن بعضها في مرحلة من جسم العمل الكلي. والحكاية ككل تقدم «سلطان»، البطل الذي وصل في نهاية الأمر لقرار الانتحار بعد أن اكتشف أن الخروج من البئر الذي يعيش فيه لا يكون إلا بالذهاب إلى عمق البئر أكثر.


وإن كان «جمال سليمان» قد عاد من بوابة عالية إلى العمل في الدراما السورية رفقة «عبد الحكيم قطيفان»، فإن عودة «مازن الناطور - واحة الراهب» لم تكن بالأداء المأمول منهما، إلا أن العلامة الفارقة كانت «خالد شباط - نضال نجم - قاسم ملحو» رغم صغر المساحة الخاصة بشخصياتهم، فيما يبدو كل من «جواد الشكرجي» في شخصية هشام الغزال، و«باسم قهار» في شخصية «أبو البراء»، في عالم آخر من الأداء الذي يؤكد أن الأعمال العراقية لم تأخذ حقها بعد على المستوى العربي.


مقالات ذات صلة

"المؤسس أورهان".. دراما الحب والحرب وقرارات معقدة للأبطال

"المؤسس أورهان".. دراما الحب والحرب وقرارات معقدة للأبطال

يعتبر مسلسل المؤسس أورهان من أبرز الأعمال الدرامية التاريخية التي تسلط الضوء على مرحلة مهمة تمتزج فيها السياسية
109
فيلم "إيجي بست" يطلق ألبوما غنائيا .. خطوة غير مسبوقة في السينما المصرية

فيلم "إيجي بست" يطلق ألبوما غنائيا .. خطوة غير مسبوقة في السينما المصرية

في خطوة تعد الأولى من نوعها في صناعة السينما المصرية، تم الإعلان عن إطلاق ألبوم غنائي مصاحب لأحداث فيلم إيجي بست
191
رامز جلال يهنئ جمهوره بعيد الفطر بصورة لافتة.. ماذا قال؟

رامز جلال يهنئ جمهوره بعيد الفطر بصورة لافتة.. ماذا قال؟

حرص الفنان رامز جلال على تهنئة جمهوره ومتابعيه بمناسبة عيد الفطر المبارك، من خلال منشور طريف شاركه
199
رنا ريشة لا تمانع ارتداء الحجاب مستقبلاً.. يمنح الأنثى جمالاً حقيقياً

رنا ريشة لا تمانع ارتداء الحجاب مستقبلاً.. يمنح الأنثى جمالاً حقيقياً

لاتمانع الفنانة رنا ريشة ارتداء الحجاب مستقبلاً، لأنه حسب قولها "يمنح الأنثى جمالاً حقيقياً"
586
النجمة رانيا يوسف تتعرض لموقف صادم بعد مقلب "الكاميرا الخفية"

النجمة رانيا يوسف تتعرض لموقف صادم بعد مقلب "الكاميرا الخفية"

في موقف صادم ومفاجئ، ظهرت الفنانة النجمة رانيا يوسف في مشهد جديد لبرنامج الكاميرا الخفية
558
سيرياون إعلان 7