مجتمع

الدروس الخصوصية في ميزان التعليم والواقع الاجتماعي.. مختصة لـ Syria One: حوّلت التعليم من حق إنساني مكفول إلى امتياز تحكمه الملاءة المالية

32
الدروس الخصوصية في ميزان التعليم والواقع الاجتماعي.. مختصة لـ Syria One: حوّلت التعليم من حق إنساني مكفول إلى امتياز تحكمه الملاءة الماليةلميس حسين

تتحول الدروس الخصوصية في المشهد التعليمي الراهن من مجرد إجراء استثنائي لمساندة الطلاب المتعثرين، إلى بنية موازية تكاد تضاهي المؤسسة التعليمية الرسمية، وفي هذا التحقيق الصحفي الخاص بـ Syria One، تفتح الأستاذة سيا اسماعيل ملف هذه الظاهرة المركبة، لتفكك دوافعها الهيكلية، وانعكاساتها على العدالة الاجتماعية، وجودة التفاعل داخل الصف المدرسي، فضلاً عن آفاق استعادة المدرسة الحكومية لدورها المحوري.


تحول بنيوي.. كيف أصبحت الدروس الخصوصية ركيزة موازية للتعليم؟


توضح الآنسة سيا أن هذا التحول المفصلي لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتاج تراكمات واضحة في منظومة التعليم، فقد أسهم تراجع قدرة بعض المدارس على مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، بالتوازي مع تضخم المناهج والضغوط الامتحانية، في تحويل الدرس الخصوصي من أداة علاجية مؤقتة إلى جزء أصيل من الخطة التعليمية للأسر.


وترى سيا أن الأزمة الحقيقية تتجلى في تغير أدوار التلقي، حيث لم يعد الطالب ينظر إلى المدرسة كمرجعية رئيسة للمعرفة، بل أضحى يعتمد على التعليم الموازي لمعالجة الفجوات الاستيعابية، وهو ما يضع كفاءة المدرسة في تأدية رسالتها التربوية أمام اختبار حقيقي.


تكاليف التدريس وإرباك الميزانية الأسريّة


تؤكد المعلمة سيا أن كلفة الدروس الخصوصية باتت تفرض ضغطاً هيكلياً صارماً على ميزانيات الأسر، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع معدلات التضخم، وتضطر الكثير من العائلات إلى اقتطاع نسب حيوية من دخلها المحدود لتأمين الساعات الإضافية، مدفوعة بالخشية على المستقبل الأكاديمي لأبنائها.


وتضيف لـ Syria One أن الخطر الأكبر يكمن في تكريس "تسليع التحصيل العلمي"، إذ أصبحت جودة التعليم مرتبطة بالقدرة المالية للأسرة. 


فالطالب القادر على تحمّل تكاليف الكفاءات التدريسية المرموقة يحظى بفرص أفضل للجاهزية الامتحانية، بينما يهمش الطالب المفتقر للتمويل المادي، مما يحول التعليم من حق إنساني مكفول إلى امتياز تحكمه الملاءة المالية.


تراجع الحافز الصفّي


وحول انعكاس التدريس الموازي على البيئة الصفية الرسمية، تبين المعلمة سيا أن استهلاك الطالب للشروح كاملة خارج أسوار المدرسة يؤدي إلى تآكل شغفه وانضباطه الذهني داخل الصف، حيث يتحول حضور التلميذ إلى مجرد إجراء شكلي لاستيفاء الدوام أو تدوين رؤوس الأقلام.


هذا الاتكاء الخارجي يقلل من حجم المشاركة والنقاش المثمر، ويضع المعلم المدرسي في مواجهة طاقة استيعابية باردة من قبل طلاب يفترضون أن الفهم الحقيقي مؤجل لدروسهم الخاصة. وتشدد سيا على أن العلاج لا يكمن في إلقاء اللوم على طرف دون آخر، بل في إعادة الاعتبار للبيئة الصفية لتكون مظلة كافية لبناء الفهم المتين، مع إبقاء التمويل الإضافي في إطاره الاستثنائي.


التجارة والرسالة


وفيما يتعلق بالبعد الأخلاقي والتحول النفعي، توضح الآنسة سيا أن تقاضي المعلم مكافأة عادلة لقاء جهده أمر مشروع ويستحق التقدير، غير أن المشكلة تبرز عند تقديم المردود التجاري على مصلحة المتعلم، وتحويل العمل التربوي إلى سوق تنافسي لاستقطاب أكبر عدد من المشتركين.


وتحذر سيا من خطورة ترسيخ قناعة لدى الطالب وولي أمره بعدم إمكانية النجاح إلا عبر شراء ساعات تعليمية إضافية، وتطالب بتحديد معيار ثابت يقوم على جودة المحتوى وصدق الرسالة التربوية، بعيداً عن المنطق التجاري، فالتعليم في جوهره مسؤولية أخلاقية ووطنية ترتبط ببناء الإنسان ومستقبل المجتمع، وليس سلعة خاضعة للعرض والطلب.


كيف تستعيد المدرسة الحكومية ثقة المجتمع؟


تطرح المعلمة سيا رؤية استراتيجية لاستعادة كفاءة المدرسة الرسمية، مؤكدة أن الحلول الترقيعية لم تعد جدية، وتبدأ خريطة الطريق بتحسين الأوضاع المادية والمهنية للمعلمين لتوفير الاستقرار الدافع للعطاء، يتبع ذلك مراجعة جذرية للمناهج وتطوير الأساليب لتعتمد على الفهم والتطبيق بدلاً من الحفظ الصم.


كما تتضمن المقترحات معالجة اكتظاظ الصفوف، وتفعيل حصص تقوية مجانية وممنهجة داخل المؤسسة التعليمية لدعم الحالات الخاصة، مؤكدة على أن الإصلاح يتطلب رقابة تربوية صارمة وشراكة حقيقية بين الأسرة والمؤسسة التعليمية لدعم التغيير المنشود.


هل تنحسر الظاهرة أم تتغير أدواتها؟


وفي تقييمها للمسار المستقبلي للظاهرة، تستبعد المعلمة سيا انحسار الدروس الخصوصية كلياً في المدى القريب نتيجة استمرار دوافعها الهيكلية، غير أنها ترجح حدوث تحول في أنماطها وآلياتها استجابة للظروف الاقتصادية والتحول الرقمي.


وتشير إلى إمكانية بروز المنصات الرقمية، والدروس المسجلة، ومجموعات التقوية الجماعية كبدائل أقل كلفة للأسر، وتستدرك سيا بالتأكيد على أن التكنولوجيا ليست عصا سحرية، إذ تتطلب بنية تحتية متكاملة ومهارات تعلم ذاتي عالية. 


ويتوقف الحجم المستقبلي للتدريس الموازي على قدرة المؤسسة الرسمية على رفع جودة خدماتها، فكلما استعادت المدرسة كفاءتها، تراجعت الدروس الخصوصية إلى حجمها الطبيعي كعامل مساند لا كشرط إجباري للتفوق.


مقالات ذات صلة

إذا تعثّر الدفع الإلكتروني في سوريا.. من يحمي رصيد المواطن؟.. خبير لـSyria One: ربط المنصات بالمصارف أساس الثقة

إذا تعثّر الدفع الإلكتروني في سوريا.. من يحمي رصيد المواطن؟.. خبير لـSyria One: ربط المنصات بالمصارف أساس الثقة

مع استخدام المحافظ الإلكترونية في تسديد الفواتير وتحويل الأموال، لا تتوقف مخاوف المواطن السوري عند سهولة الدفع، بل تمتد إلى مصير أمواله إذا فشلت المعاملة أو تعذّر الوصول إلى حسابه، فمن يتحمل مسؤولية
55
كوميديا صامتة بروح سورية.. وسام خوري "مستر طولان" لـ Syria One: هدفي صناعة الابتسامة وتقديم أبهى صورة عن بلدي

كوميديا صامتة بروح سورية.. وسام خوري "مستر طولان" لـ Syria One: هدفي صناعة الابتسامة وتقديم أبهى صورة عن بلدي

في عالم صناعة المحتوى المزدحم، برز اسم صانع المحتوى الكوميدي السوري، وسام خوري، المعروف بـ "مستر طولان"، كعلامة فارقة اختارت التميز عبر لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، وهي "الكوميديا الصامتة"، حيث كشف في حديث لـSyria One، عن بداياته وكواليس الشخصية، وطموحه.
27
11.5 مليار دولار لتنفيذ مشاريع حيوية في سوريا.. خبير لـ Syria One: القرض من مصرف عالمي يضخ إشارات ثقة قوية إلى الأسواق الدولية

11.5 مليار دولار لتنفيذ مشاريع حيوية في سوريا.. خبير لـ Syria One: القرض من مصرف عالمي يضخ إشارات ثقة قوية إلى الأسواق الدولية

يمثل تدفق الاستثمارات الرأسمالية الضخمة نحو قطاعات البنية التحتية الاستراتيجية في سورية محطة مفصلية تعيد تشكيل ملامح المشهد الاقتصادي الكلي، وفي هذا السياق، أقرت إدارة المصرف الأمريكي "JP Morgan" الموافقة النهائية على إقراض المجموعة
59
لا يوبخنا ولا يحكم علينا ولا ينشغل عنا.. هل أصبح شات جي بي تي الملاذ الآمن؟

لا يوبخنا ولا يحكم علينا ولا ينشغل عنا.. هل أصبح شات جي بي تي الملاذ الآمن؟

لجوء الكثيرين إلى عالم "شات جي بي تي"، وتنصيبه منصب الملجأ والملاذ الحقيقي ليكون خياراً بديلاً عن الواقع المرفوض، ليس إلا وهماً سيدمر لاحقاً أحلام
65
اليونان تحظر الأطفال دون 15 عاما على منصات التواصل الاجتماعي

اليونان تحظر الأطفال دون 15 عاما على منصات التواصل الاجتماعي

أقرّ البرلمان اليوناني قانونا يحظر على الأطفال دون 15 عاما استخدام منصات التواصل الاجتماعي اعتبارا من 1 يناير 2027، ليصبح أول تشريع من نوعه داخل الاتحاد الأوروبي.
143
سيرياون إعلان 7