تتزايد المخاوف البيئية عالمياً حول الكلفة الحقيقية للتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها الاستهلاك المهول للمياه العذبة لتبريد خوادم مراكز البيانات. ومع هذا التسابق المحموم نحو تدريب النماذج اللغوية الضخمة، تبرز أزمة الهدر المائي المباشر وغير المباشر كخطر داهم يُهدد المجتمعات المحيطة بهذه المنشآت، وسط سجال دائم حول جدوى تقنيات التبريد الحديثة ومدى جدية التزامات الشركات الفائقة بالمعايير البيئية.
وفي هذا السياق، كشف خبير الأمن السيبراني نضال فاعور لـ Syria One عن الأرقام الحقيقية لأساليب التبريد، وهيكل استهلاك الموارد، والحلول المتاحة للحد من هذه الظاهرة.
فارق القدرة الكهربائية وضغط التبريد الحراري
أكد فاعور لـ Syria One أن خوادم الذكاء الاصطناعي تتميز عن الأنظمة السحابية التقليدية بارتفاع قدرتها الكهربائية بشكل كبير، حيث تتجاوز 100 كيلوواط للرف الواحد مقارنة بالأنظمة العادية التي تتراوح بين 5 إلى 10 كيلوواط فقط، وأوضح أن تركز هذه الطاقة العالية في مساحات ضيقة على مستوى المعالجات والذاكرة فائقة السرعة، يفرض توفير تبريد مستمر وبكثافة عالية، وذلك لمنع الاختناق الحراري وحماية العتاد الصلب والمكونات الإلكترونية من التلف.
البصمة المائية والمؤشرات الرقمية لـ "عطش" التقنية
وبيّن خبير الأمن السيبراني أن البصمة المائية لمراكز البيانات تتوزع على مسارين أساسيين، أولهما الفقد المائي المباشر الذي يحدث داخل المنشآت عبر أبراج التبريد التبخيري، حيث تُستنزف كميات ضخمة من المياه العذبة النقية الصالحة للشرب والمضاف إليها مادة الجليكول لزيادة كفاءة التبريد، وثانيهما الفقد غير المباشر المرتبط باستهلاك المياه في محطات توليد الطاقة الكهربائية المخصصة لتغذية الخوادم والمبردات. واستشهد فاعور بنتائج دراسة استقصائية صادرة عن جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، موضحاً أن تدريب نموذج لغوي ضخم مثل GPT-3 في مراكز بيانات Microsoft استهلك نحو 700,000 لتر من المياه العذبة، بينما قد يصل الاستهلاك في نماذج أخرى مثل Meta AI إلى نحو مليار و500 مليون لتر خلال فترة زمنية قصيرة، إلى جانب أن معالجة ما بين 10 إلى 50 استعلاماً تشغيلياً في الاستخدام اليومي تتسبب في استهلاك نصف لتر من المياه.
واقع أساليب التبريد وهيمنة النظام التبخيري
وعن أساليب التبريد المستخدمة حالياً، أوضح فاعور أن التبريد التبخيري المفتوح يعتمد على سحب الهواء الخارجي وإمراره على وسائط مبللة بالمياه لخفض الحرارة، ورغم كفاءته العالية إلا أنه يُعد المصدر الأساسي للهدر المائي المباشر لكونه يعتمد على التبخر المستمر في الجو، وأضاف أن هناك تقنيات أخرى مثل التبريد السائل المباشر للرقاقة عبر لوحات معدنية مغلقة تدور داخلها سوائل ناقلة للحرارة تقوّض الهدر المائي في الموقع، فضلاً عن التبريد بالغمر الكامل الذي يُغمر فيه العتاد بالكامل داخل سوائل عازلة للكهرباء لخفض استهلاك طاقة التبريد بنسبة تصل إلى 90% وفق بيانات المنصات المتخصصة، غير أن التبريد التبخيري واستهلاك المياه العذبة يظل حتى اللحظة الخيار الأنسب والأكثر فاعلية للشركات لمواكبة التطور المتسارع للنماذج، بينما تبقى التقنيات المغلقة مجرد محاولات لم تصل لمستوى الفاعلية المطلوبة.
مسؤولية الحوكمة البيئية
وقال فاعور لـ Syria One إنه لتفادي الأزمات البيئية والتوافق مع معايير الحوكمة البيئية، تسعى بعض الشركات الفائقة لتبني حلول استدامة متنوعة، كالانتقال إلى المبردات الجافة القائمة على المبادلات الحرارية المغلقة دون تبخير، أو استبدال المياه العذبة بمياه الصرف المعالجة والمياه الرمادية كما يطُبق في بعض منشآت Google وMeta، فيما تتجه بعض الشركات نحو التوزيع الجغرافي وبناء مراكز البيانات في المناطق الشمالية الباردة للاستفادة من التبريد الطبيعي معظم أوقات السنة، إضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ الديناميكي وإدارة ضغط التبريد بناءً على الأحمال اللحظية للحوسبة.
المسؤولية البيئية وضرورة الضبط القانوني
واختتم فاعور حديثه بالإشارة إلى أن الخطر على المجتمعات المحيطة بمراكز البيانات ليس مجرد تهويل إعلامي بل هو واقع مباشر يمس الأمن المائي في ظل أزمة شح المياه العالمية.
وأكد أن الاستدامة تُعد الشق الأهم لإبقاء تقنيات الذكاء الاصطناعي قيد التشغيل في المستقبل، مشدداً على أن الأمر يتطلب فرض قوانين صارمة تمنع الهدر وتُلزم الشركات العالمية بتبني حلول بيئية حقيقية وفعالة بدلاً من الاعتماد على الحلول المؤقتة التي تُغيّب حجم النزيف المائي الفعلي.






