بينما يتابع الناس، الارتفاع المستمر في أسعار النفط والدولار، والاضطرابات المستمرة في المنطقة، يجد الكثير أنفسهم حائرين أمام ما يحدث لأسعار الذهب، فالمعدن الأصفر الذي اعتدنا أن يكون الملاذ الآمن وقت الأزمات، يمر بهزات وضغوط تجعله يتراجع تارة ويثبت تارة أخرى، مما يترك المستثمرين، وحتى المواطنين العاديين، في تساؤل دائم: إلى أين تتجه الأسواق؟ وكيف يؤثر كل هذا على العملات المحلية والقدرة الشرائية؟
وفي قراءة لما يحدث للذهب والدولار والنفط، يقول الخبير المالي والمصرفي، الدكتور علي محمد، في حديث لـ Syria One: "العوامل الحالية في الأسواق العالمية تتضافر لتشكل ضغوطاً سلبية واضحة على أسعار الذهب"، مفسراً ذلك بالارتفاع الملحوظ في قيمة الدولار الأمريكي أمام سلة العملات الرئيسية، والذي يوازيه ارتفاع في عوائد السندات الأمريكية التي تعد أحد أهم الأوجه الاستثمارية المنافسة اليوم، وهذا الصعود للدولار والسندات أدى بدوره إلى انخفاض شهية المستثمرين وتراجع الطلب على المعدن الأصفر كأداة استثمارية، دون أن يعني ذلك انعدام الطلب بالكامل".
ويستدل الخبير على هذا التراجع ببيانات مجلس الذهب العالمي، والتي أظهرت انخفاضاً ملموساً في أسعار الذهب خلال شهر أيلول/سبتمبر الفائت بنسبة بلغت 8% من بداية الشهر وحتى نهايته.
وفي معرض تحليله للعلاقة الجدلية بين قفزة النفط وتراجع الذهب، يوضح الخبير أن "ارتفاع أسعار النفط لا يسبب هبوط الذهب بشكل مباشر، بل يمر عبر سلسلة من التفاعلات الاقتصادية المتشابكة التي تشبه تأثير الدومينو، فأسعار النفط صعدت بنسبة تقارب 70% من بداية العام وحتى اليوم، مدفوعة بتبعات الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز والاضطرابات الجيوسياسية المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة تسبب تلقائياً في زيادة تكاليف المشتقات النفطية، والشحن، والتوريد، والتأمين، مما يعني اضطرار الأسواق لدفع كتلة نقدية أكبر بالدولار للحصول على ذات السلع، وهو ما أشعل معدلات التضخم عالمياً، ولمواجهة هذا التضخم المستعر، يلجأ البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأداته الوحيدة وهي رفع أسعار الفائدة، وهو ما فعله مؤخراً مع إمكانية استمراره في سياسة التشدد النقدي أو الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول، وبما أن رفع الفائدة جعل السندات الأمريكية تدر دخلاً أكبر، فقد زادت جاذبيتها الاستثمارية وسحبت البساط من تحت الذهب الذي لا يدر عائداً دورياً للمستثمر".
وينوّه الخبير بأن هذه السلسلة ليست حتمية دوماً، فمن الممكن أحياناً أن يرتفع النفط والذهب معاً بناءً على سلوك البنوك المركزية، وما إذا كانت ستستغل فترة رخص الذهب الحالية لزيادة احتياطاتها وتغذية الطلب عليه أم لا.
وحول إمكانية عودة الذهب إلى مستويات الـ 6 آلاف دولار للأونصة، يقول محمد: "لا يمكن التنبؤ بهذا الرقم في الوقت الراهن لأن الأمر يحتاج إلى مدى زمني بعيد"، مؤكداً أن ما يشهده الذهب منذ بداية العام وحتى الآن، بعد وصوله لمستويات الـ 5 آلاف و700 ثم هبوطه مجدداً، يندرج تماماً تحت سياق الحركة التصحيحية الطبيعية للأسواق، شارحاً هنا معادلة اقتصادية بسيطة مفادها أن الذهب يبقى ذهباً، ولكن العملات المسعرة به، وتحديداً الدولار حالياً، هي التي ترتفع قيمتها فيبدو الذهب أرخص، أو تنخفض قيمتها فيبدو الذهب أغلى، ورغم هذه الضغوط، يشير محمد إلى أن الذهب لم يفقد بريقه كبديل استثماري آمن، بدليل إحصائيات مجلس الذهب العالمي التي توضح أن البنوك المركزية ما زالت تشتري المعدن الثمين بوتيرة مستقرة، حيث بلغت مشترياتها في الربع الثاني من عام 2026 نحو مئتين وتسعين طناً، وبالتالي فإن أي تغير مستقبلي في معادلة العرض والطلب أو نقص المعروض قد يدفع الذهب لمستويات أعلى، لكن التكهن بوقته الدقيق صعب جداً في هذه الفترة.
ويختتم الخبير المالي والمصرفي، كلامه متحدثاً عن انعكاسات أسواق الطاقة على العملات المحلية، حيث قسّم التداعيات إلى فئتين بناءً على طبيعة اقتصاد كل دولة، مضيفاً: "بالنسبة للدول المصدرة للنفط، يُعد ارتفاع الأسعار عاملاً إيجابياً يدعم إيراداتها ويعزز عملاتها المحلية، ولكن هذا التأثير مشروط بعدة تفاصيل أخرى مثل مدى سهولة الاستخراج والتصدير، وحجم الإنتاج، وحجم الإنفاق الحكومي الجاري والاستثماري، فضلاً عما إذا كانت هناك طفرة استيراد موازية لسلع أخرى ارتفعت أسعارها عالمياً قد تلتهم هذه الأرباح المحققة، وفي المقابل، يمثل ارتفاع أسعار الطاقة عامل ضغط شديد ومباشر على العملات المحلية للدول المستوردة للنفط، حيث ينعكس المشهد تماماً بغياب الإنتاج والتصدير، واضطرار هذه الدول لاستيراد النفط والسلع الأساسية بأسعار مرتفعة، مما يستنزف نقدها الأجنبي ويضعف أسعار مناعتها الاقتصادية بشكل عام".






