في سياق إقليمي يشهد سباقاً لإعادة تشكيل ممرات النقل وسلاسل الإمداد، أعلنت سوريا والسعودية الاتفاق على خارطة طريق لتعزيز الربط السككي والبري بين البلدين، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز التعاون الثنائي إلى رهانات اقتصادية وجيوسياسية أوسع.
وجاء الاتفاق خلال لقاء جمع وزير النقل السوري يعرب بدر بنظيره السعودي صالح بن ناصر الجاسر على هامش مؤتمر وزراء نقل منظمة التعاون الإسلامي في تركيا قبل أيام، حيث تم التوافق على عقد اجتماع فني في السعودية خلال شهر مارس/آذار المقبل لبحث الجوانب التنفيذية، إضافة إلى تعزيز التنسيق بين فرق الخطوط الحديدية والطرق العامة في البلدين.
من التفاهم السياسي إلى المسار التنفيذي
البيان الصادر عن وزارة النقل السورية أشار إلى أن الجانبين ناقشا آليات تحويل الرؤى السياسية إلى خطوات عملية، مع التركيز على تطوير الربط السككي كأولوية استراتيجية. كما وجّه الوزير السوري دعوة رسمية لنظيره السعودي لزيارة دمشق، بهدف تتويج المشاورات بإطار تعاون تنفيذي يعكس توجهات القيادتين في البلدين.
ويحمل الاتفاق طابعاً عملياً واضحاً، إذ يتضمن اجتماعات فنية متخصصة لبحث المعايير التقنية، ونقاط العبور، وتكامل شبكات الطرق والسكك الحديدية. وهذا يشير إلى انتقال المشروع من مستوى الطرح العام إلى مرحلة التخطيط التفصيلي، ولو بشكل تدريجي.
ممر بين أوروبا والخليج
وفق الرؤية المعلنة، يهدف المشروع إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي لسوريا كبوابة على شرق المتوسط، ومن الثقل الاقتصادي واللوجستي للسعودية في الخليج، لإنشاء ممر يسهل حركة البضائع بين أوروبا ودول الخليج العربي عبر السكك الحديدية.
اقتصادياً، يمكن أن يحقق الربط السككي عدة مكاسب محتملة، أبرزها خفض تكاليف النقل وزمن الشحن، وتعزيز انسيابية التجارة البرية، وتوسيع فرص الاستثمار في قطاعات الخدمات اللوجستية والموانئ والمناطق الحرة، كما قد يسهم في إعادة تنشيط البنية التحتية السورية، بما ينسجم مع جهود إعادة الإعمار واستقطاب رؤوس الأموال.
ويأتي ذلك بعد توقيع خمس اتفاقيات بقيمة 5.3 مليارات دولار في مجالات الطيران والاتصالات والمياه، برعاية الرئيس أحمد الشرع، ما يعكس توجهاً أوسع نحو تعميق التعاون الاقتصادي بين البلدين.
أبعاد جيوسياسية وإعادة تموضع
لا يقتصر المشروع على بعده الاقتصادي، بل يحمل أبعاداً جيوسياسية واضحة. فالربط السككي يعزز إدماج سوريا في شبكات النقل الإقليمية بعد سنوات من التراجع والعزلة، ويمنحها فرصة لاستعادة دورها كممر عبور بين آسيا وأوروبا.
في المقابل، ينسجم المشروع مع توجهات السعودية لتعزيز موقعها كمركز لوجستي إقليمي ضمن رؤيتها للتحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، كما أن الإشارة إلى فتح الأجواء السورية لعبور الطائرات السعودية، مع إمكانية زيادة عدد الرحلات مستقبلاً، تعكس مناخاً سياسياً يتجه نحو توسيع نطاق التعاون في قطاعات النقل المختلفة.
تحديات التنفيذ والواقعية السياسية
رغم الزخم السياسي والإعلامي، يبقى تنفيذ الربط السككي رهناً بعدة عوامل، من بينها إعادة تأهيل أجزاء واسعة من البنية التحتية داخل سوريا، وتأمين التمويل اللازم، ومواءمة المواصفات الفنية بين الشبكات الوطنية، إضافة إلى ضمان بيئة استثمارية مستقرة وطويلة الأمد، كما أن نجاح المشروع يتطلب تنسيقاً إقليمياً أوسع، خصوصاً في حال مرور الخط عبر دول مجاورة، ما يضيف بعداً دبلوماسياً وتقنياً معقداً إلى مسار التنفيذ.
بين الطموح والواقع
في المحصلة، يشكل الاتفاق السوري–السعودي خطوة تأسيسية نحو مشروع قد يعيد رسم خريطة الممرات التجارية في المنطقة إذا ما تُرجم إلى واقع عملي. فهو يعكس تحركاً سياسياً واقتصادياً يسعى إلى توظيف الجغرافيا في خدمة التكامل الإقليمي، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من التعاون الثنائي القائم على المصالح الاقتصادية المتبادلة.
ويبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات المعلنة إلى مشاريع ملموسة على الأرض، في بيئة إقليمية لا تزال تتسم بالتقلبات، لكنها في الوقت ذاته تفتح نافذة لإعادة صياغة شبكات النقل والتجارة في الشرق الأوسط






