قبل أن يتحول القمح إلى برغل أو "شيشة" أو سميد، كانت له في بيوت الجزيرة السورية حكاية أخرى تبدأ بقِدر كبير يوضع على النار، وتستمر ساعات حتى تنضج حباته. وحين تكتمل عملية السلق، تبدأ مرحلة أخرى من العمل المنزلي، إذ تُجهَّز الحنطة لتكون جزءاً من مونة البيت للشتاء القادم.
تلك هي "السليقة"، أو سلق الحنطة، وهي عادة ارتبطت في الجزيرة السورية بموسم الحصاد وتجهيز المؤونة، لكنها في الوقت نفسه كانت مناسبة اجتماعية تحمل طابعاً احتفالياً واضحاً. فالقِدر الذي يغلي بالحنطة لم يكن بعيداً عن الناس، بل كان يتحول إلى نقطة تجمع تلتقي حولها العائلة والجيران وأهالي القرية، وفي بعض أحياء المدن التي حافظت على هذه العادة.
وللتعرف أكثر إلى هذه الممارسة وما تحمله من أبعاد اجتماعية وتراثية، التقى موقع Syria One الباحث في التراث جلال سفان الطائي، الذي أوضح أن السليقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدورة القمح في حياة أبناء الجزيرة، من موسم الحصاد وصولاً إلى تجهيز مؤونة الشتاء.
من الحصاد إلى مؤونة البيت
يوضح الباحث الطائي أن سلق الحنطة كان مرحلة أساسية في تجهيز جزء من مؤونة البيوت، حيث تُسلق كميات من القمح استعداداً لتحويلها لاحقاً إلى مواد غذائية تدخل في الاستخدام اليومي خلال فصل الشتاء، ومنها البرغل و"الشيشة" والسميد.
ويشير إلى أن هذه العملية كانت تحتاج إلى جهد ووقت، ولذلك لم تكن مجرد مهمة عابرة تقوم بها الأسرة، بل كانت مناسبة تشترك فيها الأيدي، خصوصاً أن تجهيز المؤونة كان جزءاً أساسياً من الاستعداد لفصل الشتاء.
ويقول إن الحنطة بعد سلقها كانت تُترك لتجف وفق الطرق المتبعة، ثم تُجهّز وتُحوّل إلى أنواع مختلفة من المؤونة، بحسب حاجة كل بيت وطريقته في حفظ مؤونته.
لكن اللافت في السليقة، بحسب الطائي، أن عملية تجهيز المؤونة لم تكن دائماً ذات طابع عملي بحت، بل ترافقها أجواء من الفرح والاجتماع.
ويؤكد أن الرقصات الشعبية كانت جزءاً من طقوس السليقة في بعض البيئات، حيث تُؤدى بجانب القدر، في مشهد يعكس طبيعة الحياة الجماعية التي كانت ترافق موسم الحصاد وما يتصل به من أعمال.
ويشير إلى أن هذه الطقوس ليست منفصلة عن عادات أهالي الجزيرة في موسم الحصاد، حيث كان انتهاء موسم طويل من العمل مناسبة للفرح والاجتماع والاحتفال، ولذلك حملت السليقة شيئاً من روح تلك المواسم.
فرحة تعم القرية
ويتابع الباحث لـ Syria One إن ما يميز السليقة أنها لم تكن شأناً منزلياً محصوراً داخل جدران البيت، خصوصاً في القرى، بل كانت تتحول في كثير من الأحيان إلى فرحة جماعية لأهالي القرية.
فحين يُعدّ القدر وتبدأ الحنطة بالسلق، يعرف الناس أن هناك مناسبة تجمعهم، وتتعالى الأصوات، ويجتمع الأطفال، وتشارك النساء في التحضير، وتظهر الرقصات الشعبية في محيط المكان، لتصبح عملية إعداد المؤونة نفسها جزءاً من الحياة الاجتماعية.
ويضيف أن بعض أحياء المدن حافظت أيضاً على هذه العادة، وإن بصورة أقل من القرى، إذ ما زال بعض الأهالي يقومون بسلق الحنطة وتجهيزها للمؤونة، محافظين بذلك على طقس ورثوه عن الأهل والأجداد.
من الحصاد إلى الشتاء
ويلفت الطائي إلى أن فهم السليقة يحتاج إلى وضعها ضمن دورة الحياة الزراعية في الجزيرة السورية. فالحصاد لم يكن نهاية موسم القمح بالنسبة للعائلة، وإنما بداية سلسلة من الأعمال التي تهدف إلى حفظ المحصول والاستفادة منه طوال العام.
ومن هنا جاء سلق الحنطة وتجهيزها للبرغل و"الشيشة" والسميد، باعتباره جزءاً من اقتصاد البيت ومؤونته، وفي الوقت نفسه مناسبة تتداخل فيها الأعمال المنزلية مع العلاقات الاجتماعية.
ويؤكد أن هذه النقطة مهمة في قراءة التراث الشعبي، لأن كثيراً من العادات لم تكن منفصلة عن ضرورات الحياة، بل كانت الحاجة اليومية نفسها تتحول إلى مناسبة للقاء والفرح والمشاركة.
الأطفال جزء من الحكاية
ويشير الباحث إلى أن الأطفال كانوا حاضرين بقوة في طقوس السليقة، سواء من خلال تجمعهم حول القدر أو انتظارهم نصيبهم من الحنطة المسلوقة.
وكانت السليقة بالنسبة إليهم جزءاً من فرح الموسم، لا مجرد طعام، خصوصاً عندما تقترن بالاجتماع والرقص والغناء والأجواء الاحتفالية التي ترافقها.
ويرى الطائي أن مثل هذه التفاصيل تفسر لماذا بقيت السليقة حاضرة في ذاكرة أبناء الجزيرة حتى لدى الذين ابتعدوا عن القرى وانتقلوا إلى المدن، فالإنسان لا يتذكر الطعام وحده، وإنما يتذكر المشهد كاملاً، بالأصوات والوجوه والحركة والمكان.
عادة ما زالت حاضرة
ورغم التغيرات التي طرأت على الحياة الاجتماعية، وتوفر المواد الغذائية في الأسواق، وتراجع الحاجة إلى تجهيز كميات كبيرة من المونة بالطريقة التقليدية، فإن السليقة لم تختفِ تماماً.
ويؤكد الباحث الطائي أن بعض الأهالي ما زالوا يقومون بسلق الحنطة في عدد من أحياء المدينة، إلى جانب استمرارها بصورة أوضح لدى بعض العائلات في البيئات الريفية، وإن اختلفت التفاصيل من مكان إلى آخر.
ويرى أن استمرار هذه الممارسة، ولو في نطاق محدود، يمنحها أهمية إضافية بوصفها تراثاً حياً، لا مجرد حكاية من الماضي.
ويختتم الباحث جلال سفان الطائي حديثه لـ Syria One بالتأكيد على أن السليقة تختصر جانباً مهماً من طبيعة الحياة في الجزيرة السورية؛ فالعمل الزراعي، وتجهيز المؤونة، والعلاقات بين الجيران، والفرح الجماعي، والرقصات الشعبية، كلها كانت تتقاطع في مناسبة واحدة.
فقد يبدأ الأمر بحنطة خرجت من موسم الحصاد، ثم تُسلق تحضيراً لمؤونة الشتاء، لكن القِدر لا يبقى مجرد وعاء للطعام؛ بل يتحول إلى مركز لمشهد اجتماعي تشارك فيه القرية، وتلتقي حوله العائلة والجيرة، وتُستعاد فيه أجواء الفرح التي صاحبت مواسم الحصاد.
وهكذا تبقى السليقة أكثر من حنطة مسلوقة؛ إنها حكاية محصولٍ يدخل البيت مؤونةً للشتاء، وطقسٌ يخرج من البيت ليصبح فرحةً جماعية، وواحدة من التفاصيل التي ما زالت تحتفظ لنفسها بمكان في ذاكرة الجزيرة السوري ولها طقوس في جميع الريف السوري عامة .






