التحول باللغة السياسية من المدخلات التحليلية إلى اللغة ذات الاستمالات العاطفية كانت واضحة في حديث الرئيس أحمد الشرع لقناة شمس الكردية.
الحديث يلفت الانتباه ليس بما حمله من عبارات ثناء، بل بطبيعة المقاربة السياسية التي اعتمدها في تناول القضية الكردية، وبالجرأة الواضحة في المجاهرة بشجاعة الأكراد وثباتهم بوصفهم جزءًا من المجتمع السوري، لا كملف أمني أو استثناء سياسي.
هذه المجاهرة تمثل، في السياق السوري، سابقة لرئيس في موقع المسؤولية، وتستحق القراءة بعيدًا عن منطق الإشادة أو الخصومة.
أهمية هذا الحديث لا تكمن في مفرداته وحدها، بل في إعادة ترتيب المفاهيم التي لطالما جرى خلطها في الخطاب الرسمي السوري، سواء عن قصد أو بفعل مقاربات أمنية سائدة.
إذ تميّز حديث الشرع بفصل واضح بين ثلاثة مستويات ظلّت لسنوات تُختزل في إطار واحد، المكوّن الكردي بوصفه جماعة وطنية سورية، وقوات سوريا الديمقراطية كفاعل عسكري–سياسي محدد، وحزب العمال الكردستاني كمشروع أيديولوجي عابر للحدود.
هذا الفصل لا يمكن التعامل معه كتفصيل لغوي، بل كموقف سياسي يعكس محاولة للخروج من منطق التعميم، الذي حمّل الأكراد كجماعة تبعات صراعات وخيارات لم يكونوا بالضرورة طرفًا جامعًا فيها، ومن هنا، يكتسب حديث الشرع دلالته بوصفه إعادة توصيف للحالة الكردية داخل الدولة السورية، لا مجرد تعليق على واقع قائم.
عند حديثه عن الأكراد، استخدم الشرع لغة تؤكد انتماءهم إلى النسيج الوطني السوري، مشيرًا إلى شجاعتهم وصمودهم، ومقرًّا بحقهم في الوجود والمشاركة داخل مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والأمن. هذا الطرح، بصرف النظر عن آليات تطبيقه، ينقل النقاش من خانة “الإدارة الأمنية للمسألة الكردية” إلى خانة المواطنة والشراكة السياسية، وهو تحول في المقاربة يستحق التوقف عنده.
في المقابل، جاء توصيفه لـ قسد بوصفها “تنظيمًا” لا تعبيرًا عن المكوّن الكردي، وهو توصيف يحمل دلالة سياسية مقصودة. فالدولة، وفق هذا الخطاب، لا تواجه قومية أو مكوّنًا اجتماعيًا، بل فاعلًا عسكريًا وسياسيًا محددًا، له سياقه وخياراته، ولا يجوز اختزاله بإرادة أكراد سوريا ككل.
هذا التمييز يفتح نظريًا الباب أمام معالجة لا تقوم على العقاب الجماعي، ويحدّ من توظيف الصراع بوصفه صراعًا قوميًّا.
أما حزب العمال الكردستاني، فرغم عدم تسميته المباشرة، فقد حضر في الحديث بوصفه عاملًا خارجيًا مؤثرًا في الساحة الكردية السورية، عبر ما وُصف بـ“اختطاف القرار السياسي” وربطه بمشروع أيديولوجي لا ينسجم مع الإطار الوطني السوري، في هذا السياق، يوجّه الشرع نقده إلى الوصاية العابرة للحدود أكثر مما يوجّهها إلى الأكراد أنفسهم، ما يعكس محاولة للفصل بين القضية الكردية السورية والمشاريع الإقليمية المرتبطة بها.
ويزداد هذا الطرح وضوحًا حين يستحضر الشرع تجربته السابقة مع الأكراد في الشمال الغربي، ويضعهم ضمن سياق أوسع من المعاناة المشتركة مع بقية السوريين، بوصفهم ضحايا لسياسات النظام السابق، ومشاركين في الثورة منذ مراحلها الأولى.
هذا الاستحضار يعيد إدراج الأكراد ضمن السردية الوطنية العامة، لا كحالة استثنائية أو ملحقة.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار حديث الرئيس أحمد الشرع لقناة شمس مجرد تصريح إعلامي، بل هو حديث يحمل دلالات سياسية جديدة في السياق السوري. الأهم فيه ليس الاتفاق أو الاختلاف مع مضمونه، بل كونه يمثّل كسرًا لحاجز الصمت الرسمي حول شجاعة الأكراد ودورهم، ومحاولة للفصل بين المكوّن الكردي والتنظيمات المسلحة المرتبطة به أو المتحدثة باسمه.
إنها مقاربة لا تُنهي الإشكاليات القائمة، لكنها تضعها على طاولة النقاش بلغة مختلفة، لغة تعترف بالمكوّن، وتحدّد الخصم، وتترك الباب مفتوحًا أمام اختبار جدي لمدى قدرة هذا الخطاب على التحول من توصيف سياسي إلى سياسة عامة قابلة للتطبيق.
سياسي
الشرع يجاهر بشجاعة الأكراد.. لغة سياسية تحسب له
342

مقالات ذات صلة

ترامب: سنفتح مضيق هرمز قريباً بطريقة أو بأخرى
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم السبت سنفتح مضيق هرمز قريباً بطريقة أو بأخرى
9

أمن المياه في الخليج.. الخاصرة الرخوة في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط
مع اتساع رقعة الحرب واحتمال انخراط دول الخليج المجاورة فيها، يرى بعض المحللين أن مورداً آخر أكثر هشاشة قد يتحول إلى نقطة ضعف خطيرة، وهو المياه
15

التايمز بمانشيت عريض.. "هل هذه مجرد حرب خليجية؟ أم بداية حرب عالمية ثالثة؟
جاء مقال مميز للكاتب والمؤرخ نيال فيرغسون عبر التايمز البريطانية بعنوان "هل هذه مجرد حرب خليجية؟ أم بداية حرب عالمية ثالثة؟"
152

مهددة بتكرار سيناريو غزة.. أكسيوس: إسرائيل تستعد لعملية برية واسعة في لبنان
تستعد إسرائيل لعملية برية واسعة في لبنان، مهددة بأن تفعل في الجنوب كما فعلت في غزة.
28

أردوغان: تركيا لن تنجر إلى الحرب في الشرق الأوسط
شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أنّ تجنب الانخراط في الحرب بالشرق الأوسط يمثل أولوية قصوى لبلاده
44
