شهد قطاع التحكيم النسائي في كرة القدم السورية خلال الآونة الأخيرة تطوراً نوعياً وانتقالة مشهودة نحو التأسيس لحضور فاعل ودائم على المستطيل الأخضر، وفي حوار خاص أجرته منصة Syria One، استعرضت الحكم الدولية السورية ربا زرقا تفاصيل مسيرة تمكين المرأة في الساحة الكروية المحلية، مسلطة الضوء على حجم الفرص المتاحة، والتحديات المهنية والمعيشية، فضلاً عن الآفاق المستقبلية للصافرة النسائية السورية في المحافل القارية والدولية.
نقلة نوعية في حضور التحكيم النسائي
تؤكد ربا زرقا لـ Syria One أن واقع التحكيم النسائي السوري يعيش مرحلة استثنائية من النمو والتطور، لدرجة بات معها تكوين طقم تحكيم متكامل يضم حكماً للساحة ومساعدات إناث أمراً واقعاً ومتاحاً في العديد من المناسبات، هذا الحضور ليس صدفة، بل ثمرة لثقة متزايدة من قبل اتحاد كرة القدم واللجنة الرئيسية للتحكيم برئاسة الأستاذ محمد الغادري، واللجان الفرعية في المحافظات، إلى جانب الدعم المستمر من وزارة الشباب والرياضة.
وفي سياق مواكبة أحدث المستجدات القانونية، تحظى الحاكمات بدورات صقل وتأهيل مستمرة لمواكبة تعديلات قانون كرة القدم الدولي، وقد تعزز هذا المسار بوجود كوادر وخبرات عربية، مثل الخبراء المصريين في لجنة التحكيم، إلى جانب البرامج التطويرية المتخصصة التي تشرف عليها شخصيات بارزة لضمان ارتقاء الكوادر النسائية والذكورية على حد سواء إلى مصاف النخبة، كما يمثل تأسيس الأكاديمية الكروية الخاصة بالفتيات – والتي تستقطب المواهب الشابة من أعمار الرابعة عشرة وحتى السابعة عشرة تحت إشراف نخبة من الكوادر الرياضية الرسمية – القاعدة الصلبة والرافد الأساسي لاستمرارية وتطور هذا القطاع الرياضي.
مواجهة التحديات المهنية والظروف الاقتصادية
على الرغم من المكاسب المحققة، لا تزال الكوادر التحكيمية النسائية تواجه جملة من الصعوبات المتمثلة أساساً في إدارة مباريات ضمن مجتمع رياضي ذكوري يغلب عليها طابع التنافس الحاد في كرة القدم للرجال، وتوضح زرقا لـ Syria One أن إثبات الجدارة في هذا المحيط يتطلب إلماماً تاماً وفائقاً بقوانين اللعبة وتعديلاتها الفنية والبدنية، وهو ما تسعى الحاكمات لتأكيده ميدانياً عبر قرارات حاسمة ومقنعة تبدد أي تحفظات مسبقة.
أما على الصعيد المعيشي والاقتصادي، فتؤكد زرقا أن التحديات الاقتصادية العامة في البلاد تفرض ضغوطاً إضافية، ما يجعل الحاجة ملحة لمضاعفة الدعم المادي واللوجستي والثقافي لتوفير بيئة مثالية تضمن استعداد الحاكمات بدنياً وذهنياً بالشكل الأمثل لخوض المباريات، فالإعداد الحقيقي لا يقتصر على الجانب المالي، بل يستوجب رعاية متكاملة تشمل البنى التحتية وظروف التدريب المناسبة لمقارعة المستويات القارية.
طموحات الاحتراف الخارجي وتجاوز الحواجز المجتمعية
وفيما يتعلق بخوض تجارب التحكيم خارج الحدود السورية، تشير ربا زرقا إلى أنها خاضت برفقة زميلاتها عدة تجارب خارجية هامة في بطولات غرب آسيا، وتصفيات النهائيات القارية، وبطولات سبعة عشر وعشرين عاماً، وصولاً إلى مباريات سداسية ودولية هامة، وتعكس هذه المشاركات حرص الكوادر النسائية على تمثيل كرة القدم السورية بأفضل صورة ممكنة.
ورغم وجود طموحات مستمرة للاحتراف الخارجي، فإن الارتباط بالواجب الوطني والاتحاد الرياضي المحلي يظل محفزاً للعمل جنباً إلى جنب مع الرجل لتطوير واقعنا الرياضي المحلي.
وعلى صعيد النظرة الجماهيرية والمجتمعية، تشير التجربة إلى أن تقبل وجود امرأة تدير مباريات الرجال مر بمراحل من الحساسية والتحفظ من قبل بعض الكوادر واللاعبين والجماهير في البداية، إلا أن الالتزام الصارم بتطبيق القانون، والتمتع بلياقة بدنية عالية، وفرض الشخصية القوية والحازمة على أرض المستطيل الأخضر، أسهمت بمرور السنوات في كسر تلك الحواجز، وتحويل التوجس إلى احترام وتقدير لقرارات الحاكمات.
رسالة أمل وثبات لكل امرأة سورية
تختتم ربا زرقا تجربتها الطويلة والمليئة بالتحديات عبر Syria One برسالة إلهام موجهة لكل فتاة وامرأة سورية تسعى لاقتحام الميادين الصعبة غير التقليدية، سواء في الرياضة أو غيرها من القطاعات، وتؤكد فيها أن المرأة السورية هي نصف المجتمع ورمز للقدرة على البذل والعطاء متى ما توفرت لها البيئة الداعمة للوصول إلى أعلى المراحل، ومع تواصل خطوات التمكين والتقدم بحرية وثقة، تثبت المرأة السورية يوماً بعد يوم أنها شريك حقيقي وفاعل في بناء مستقبل الوطن ورفعة شأنه في شتى المحافل.






