"غاز.. غاز".. كلماتُ طربٍ تتفوق في سوريا على أي نغم ولحن.. كلماتٌ تعود بالسوري إلى زمن غابر تجاورَ فيه صوت سيارات الغاز مع أنغام فيروز صباحاً ثم اشتاقت له الشوارع، لتشهد عودته لفترة ثم اختفاءه مجدداً.
كأنك "يا أبو زيد ما غزيت"
عودة حميدة لسيارات الغاز لكنها للأسف كانت حكاية جميلة انتهت سريعاً.. فأزمة الغاز في سوريا مستمرة بالتصاعد رغم التصريحات الحكومية التي تؤكد وصول ناقلات جديدة وانتظام التوريدات.
على الأرض، تبدو الصورة مختلفة تماماً، إذ تتباين مستويات توفر المادة بين محافظة وأخرى، ففي دمشق وريفها والقنيطرة يعتمد السكان على دفاتر العائلة بالتنسيق مع المخاتير، بينما تعيش حماة وإدلب واحدة من أكثر الفترات صعوبة، حيث يضطر الأهالي لتسليم الأسطوانات الفارغة وانتظار أيام قبل استلامها.
وفي المقابل، يظهر وضعٌ أكثر استقراراً في الرقة واللاذقية والحسكة، مع توفر المادة بانتظام ووصول محافظة الحسكة تحديداً إلى حالة شبه اكتفاء ذاتي.
مافيا الغاز
ورغم إعلان الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية أن سعر الأسطوانة يبلغ نحو 129 ألف ليرة، فإن هذا السعر لا يكاد يُرى في السوق، حيث تباع الأسطوانة بأضعافه وقد تصل إلى نصف مليون ليرة.
هذه الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء فتحت الباب أمام المتاجرة بالمادة، سواء من قبل بعض المعتمدين أو من قبل مواطنين يحصلون على الأسطوانة المدعومة ثم يبيعونها بسعر أعلى، في ظل ضعف الرقابة واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
الطقس غداً.. غائم التوريدات
وفي محاولة لتفسير أسباب استمرار الأزمة، يؤكد رئيس جمعية معتمدي الغاز بدمشق، صبري الشيخ لـ Syria One أن التوريدات تصل إلى البحر بشكل منتظم، لكن ما يمنع وصول المادة إلى الخزانات هو ارتفاع موج البحر الذي يعطل تفريغ الناقلات، مشيراً إلى أن البواخر تبقى في عرض البحر بانتظار استقرار الأحوال الجوية.
ويضيف الشيخ أن تأخر التفريغ أدى إلى نقص الكميات المنتجة في وقت ارتفع فيه الطلب بشكل كبير نتيجة الأوضاع الخارجية وما رافقها من مخاوف دفعت المواطنين إلى تخزين الغاز داخل منازلهم.
إنتاج وفير.. ولكن
ويكشف الشيخ أن حاجة دمشق اليومية كانت تتراوح بين ثلاثين وخمسة وثلاثين ألف أسطوانة، بينما لا يقل الإنتاج اليوم عن خمسة وخمسين ألفاً، وقد يصل إلى سبعين أو ثمانين ألفاً عند توفر المادة.
ورغم هذا الارتفاع في الإنتاج، يبقى الطلب متزايداً بسبب التخوف من القادم واستغلال بعض ضعاف النفوس، سواء من المواطنين الذين يعيدون بيع الأسطوانة بسعر أعلى، أو من بعض المعتمدين الذين يبيعون خارج الدور.
"البطاقة الذكية".. دبنا عغيابك دبنا
ويرى الشيخ أن غياب البطاقة الذكية كان له أثر سلبي على عملية التوزيع، إذ فتح الباب أمام المحسوبيات والازدحام، في وقت لم تنجح فيه الآليات البديلة في تحقيق العدالة المطلوبة، مشيراً إلى أن بعض المواطنين يحصلون على الأسطوانة بهدف بيعها، ما يزيد الضغط على الكميات المتاحة ويعمّق الأزمة.
عالوعد ياكمون!
ورغم إغلاق مراكز مخالفة في اللاذقية ومصادرة مئات الأسطوانات في حلب، لم ينعكس ذلك على توفر المادة في الأسواق.
حيث تستمر الوعود الرسمية بانفراج قريب، إلا أن الشيخ يعتبر أن الوصول إلى حل جذري مرتبط بعوامل خارجة عن السيطرة، مؤكداً أن انفراج الأزمة "بيد الله"، لأن السبب الرئيسي يكمن في ارتفاع موج البحر وتعذر تفريغ الناقلات.
وبين الرواية الرسمية التي تطمئن المواطنين والواقع الذي يزداد تعقيداً، تبقى أزمة الغاز واحدة من أكثر الملفات التي تثقل كاهل السوريين.
أزمة تتجدد كلما ارتفع الموج أو تعطلت ناقلة أو اتسعت السوق السوداء، بينما ينتظر الشارع حلاً يبدو أن البحر يبتلعه كل يوم.






