فن

العنف في الدراما العربية … من أداة سردية إلى إطار إنتاجي

341
العنف في الدراما العربية … من أداة سردية إلى إطار إنتاجي

عامر فؤاد عامر

يشهد المشهد الدرامي العربي خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً واضحاً في طبيعة الموضوعات والبناء السردي، حيث يتقدّم العنف من موقعه التقليدي كعنصر داخل الحكاية إلى موقع أكثر مركزيّة بوصفه محرّكاً أساسيّاً للأحداث، 
هذا التحوّل لا يمكن قراءته بوصفه ظاهرة فنّيّة فقط، بل بوصفه نتيجة مباشرة لتغيّر الصناعة الدراميّة نفسها، من حيث التمويل، والمنصّات، وآليّات قياس النجاح.


تاريخيّاً، قامت الدراما العربيّة على الحكاية الاجتماعيّة والعائليّة، وعلى صراعات إنسانيّة تتراكم تدريجيّاً، لكن مع صعود المنافسة بين القنوات والمنصّات الرقميّة، تغيّر مفهوم الجاذبيّة الدراميّة، حيث أصبح الإيقاع السريع، والحدث الصادم، والرهان على التشويق المباشر عناصر أساسيّة في تصميم العمل منذ مراحله الأولى.


تظهر هذه المقاربة بوضوحٍ في أعمال عربيّة حققت انتشاراً واسعاً مثل مسلسل "الهيبة" بأجزاءه، حيث يتحوّل السلاح والصراع المسلّح إلى الإطار العامّ للحكاية، وليس تحصيل نتائج لها، وكذلك في مسلسل "نسل أغراب"، الذي يعتمد على تصعيد الصراع العنيف بوصفه محركاً للحلقات، وفي مسلسل "جعفر العمدة" حيث يمتزج العنف بالميلودراما الشعبيّة ليخلق نموذجاً شديد الجاذبيّة جماهيريّاً.


هذا الاتجاه يرتبط أيضاً بتأثير المنصّات التي عززت حضور دراما الجريمة والعالم السفلي. نجد أعمال مثل "رشاش"، و"سفاح الجيزة" وغيرها تقدّم مثالاً واضحاً على انتقال مركز الثقل من الدراما الاجتماعيّة إلى دراما الجريمة الواقعيّة أو شبه الواقعيّة، حيث تُبنى الحبكة أساساً حول الفعل العنيف بذاته وتلتف حوله، لكن قراءة الظاهرة نقديّاً تكشف أن المسألة لا تتعلّق فقط بتأثّر الدراما بالنموذج العالمي، بل أيضاً بطبيعة الاقتصاد الدرامي العربي، لا سيّما الأعمال العربيّة الطويلة، بالتحديد ذات الثلاثين حلقة، التي تواجه تحدّياً دائماً من أجل الحفاظ على الإيقاع.


هنا وفي كثير من الحالات يصبح العنف أداة عمليّة لملء الفراغ السردي، عبر إدخال جرائم جديدة، أو صراعات جسديّة، أو مشاهد دمويّة، أو نهايات حلقات صادمة، والهدف من كلّ ذلك المحافظة على متابعة الجمهور، ويمكن ملاحظة ذلك في تجارب متعددة، من بينها مسلسل "البرنس" الذي يعتمد على تصاعد العنف داخل الصراع العائلي، وصولاً إلى أعمال شعبيّة طويلة استخدمت الصراع الجسدي بوصفه وسيلة تمديد سردي.


غير أن اختزال الظاهرة في فكرة ((الجمهور يريد العنف)) يبدو تبسيطاً مفرطاً، لأنّ الجمهور في الواقع يبحث عن التشويق والتوتّر الدرامي، والعنف أحد أشكاله بكلّ تأكيد، فنجاح أعمال أقلّ اعتماداً على العنف يؤكّد فكرتنا، مثل مسلسل "صالون زهرة"، الذي حقق انتشاراً كبيراً عبر الشخصيّات والعلاقات فقط، وكذلك مسلسل "بالطو" الذي اعتمد على الفكرة والشخصيّة والإيقاع الذكي أكثر من اعتماده على الصدمة.


في المقابل، تقدّم أعمال مثل "تحت الوصاية"، "أغمض عينيك"، نموذجاً مهمّاً لما يمكن تسميته التوتر الإنساني البديل عن العنف، حيث يتمّ خلق التشويق من خلال الصراع الاجتماعي والقانوني والنفسي، وهو ما يعكس اتجاهاً عالميّاً متزايداً نحو الدراما الواقعيّة المركّزة.


من زاوية نقديّة، المشكلة ليست في حضور العنف نفسه، فالعنف جزء أصيل من الدراما منذ أيّام التراجيديا الكلاسيكيّة، بل تكمن المشكلة في تضخّمه بوصفه اختصاراً دراميّاً، عندما يتحوّل عنصر الصدمة إلى بديل عن البناء الدرامي، يفقد العمل قدرته على الاستمرار فنّيّاً حتّى لو حقق نجاحاً لحظيّاً، كما أن الإفراط في العنف يخلق تشابهاً بصريّاً بين الأعمال، ما يؤدّي إلى تآكل الهويّة الدراميّة، فكثير من المسلسلات تبدأ مختلفة في الحكاية، لكنّها تنتهي إلى اللغة البصريّة نفسها، من حيث استخدام السلاح، والانتقام، والتصعيد المتكرر، وهنا تصبح المشكلة صناعيّة بقدر ما هي فنّيّة.


يكشف التحوّل الحالي أن الدراما العربيّة تقف بين نموذجين متوازيين؛ الأوّل نموذج السوق السريع الذي يراهن على الإيقاع المرتفع، والحدث الصادم، وقابلية الانتشار، والثاني نموذج درامي يركّز على الكتابة والشخصيّات والطرح الاجتماعي، حتّى لو كان أقلّ صخباً. تبيّن المؤشرات إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون إلغاءً للعنف، بل إعادةً للتوازن، فالمنصّات نفسها بدأت تتجه نحو المسلسلات القصيرة والمحدودة الحجم، لا سيّما أعمال الميكرو دراما، وهو ما يقلل الحاجة إلى الحشو، ويعيد الاعتبار للبناء الدرامي المتماسك.


يبدو أن العنف في الدراما العربيّة لم يعدّ خيار جمالي وحسب، بل أصبح انعكاساً لبنية الصناعة نفسها، فالصراع الحقيقي ليس بين العنف واللا-عنف، بل بين الدراما بوصفها مُنتَجاً سريع الاستهلاك والدراما بوصفها فعلاً فنّيّاً يعيش أطول من لحظة انتشاره، وبناءً على هذه المسافة تحديداً يمكن القول بأننا نستطيع تحديد شكل الدراما العربيّة في السنوات المقبلة.


سيرياون إعلان 7