العود الموسيقي الدمشقي قصة عريقة تنبض بالأصالة والروح على قطع الخشب الدمشقي، حيث تتحوّل كل قطعة بعناية وإتقان إلى آلة موسيقية تنطق بنغمات تتوارثها الأجيال مئات السنين، ويمضي عبقها إلى المستقبل.
وفي قلب دمشق القديمة، تنبض الأعواد الموسيقية الدمشقية بروح المدينة القديمة الجميلة وعراقتها، ليس مجرد آلة موسيقية، بل قطعة من وجدان وذاكرة الشام، وروحها تحمل بين أوتار صدره صدى الأزمنة الدمشقية ونفحات الماضي العابق برائحة الأجداد.
من يصنع الأعواد الدمشقية يصبح بينه وبين العود تتجاوز علاقة شغف وروح، إذ يكرّس صانع العود من روحه وروحه في كل تفاصيل العمل، مقدمًا أفضل جودة من حيث زخرفة الآلات ودقتها، ليجسد بذلك تراثًا حياً يروي قصة صناعة العود الدمشقي التي ارتبطت بالهوية الموسيقية السورية.
العود الدمشقي التراثي قوالب ومقاييس
العود الدمشقي التراثي له قالب ومقاييس دقيقة، ويتميز بصوت خاص معروف عالمياً، ما جعله من أبرز الآلات المطلوبة لدى الموسيقيين حول العالم.
أما الخشب المستخدم في صناعة العود كان يُستخرج تقليدياً من الخشب المحلي، إلا أن صعوبة توفره حالياً جعل الصانعين يعتمدون على الأخشاب المستوردة مثل خشب الشوح من عدة دول أوروبية، وفق معايير دقيقة لضمان جودة الصوت وملاءمته للعود الدمشقي التقليدي.
ويؤكد أصحاب هذه الحرفة السورية العريقة أن أن صناعة العود تتطلب معرفة دقيقة بمكونات الآلة، ومعرفة أهمية “القمرة” في العود، حيث تؤثر في الصوت والمظهر معاً، فوجود ثلاث قمريات يمنح العود صوتاً بقوة أكبر، بينما القمرة الواحدة تمنح صوته جمالاً ورخامة للنغمة، وأي تغيير في موقعها يغير جودة الصوت بشكل ملحوظ.
وتواجه صناعة العود قلة توفر الخشب المحلي المناسب، ما يجعل الاعتماد على الأخشاب الأجنبية ضرورياً، رغم تكلفتها العالية وصعوبة شحنها، وهذا يشكل تحدياً أمام استمرار الحرفة والمحافظة على جودتها.
يذكر أن إدراج العود السوري على قائمة التراث الثقافي اللامادي لليونسكو كان حدثاً تاريخياً، وهو اعتراف دولي يمثل دعماً لمهنة صناعة العود الدمشقي وحفاظها على أصالتها في سوريا.
تاريخ العود الدمشقي ممتد لسنين طويلة
يعود عمر آلة العود إلى أكثر من 2000 سنة، وجدت عند “السومريين”، وأصبحت آلة العود بالشكل الحالي عام 1879 على يدي الدمشقي عبده النحات، لكن مكان وجود العود الذي صنعه النحات مجهول حتى الآن، ويعتقد أنه في أحد متاحف تركيا ويصل ثمن العود في الماضي إلى 5 ليرات ذهبية، تبعاً لجودته.
عُرف السوريون على مر السنين بإتقانهم صناعة آلة العود الموسيقية، ويصنف العود الشامي الدمشقي من أكثر أنواع العود شهرة وجودة بين الموسيقيين ومحبي الموسيقى العربية. وتعتبر دمشق عاصمة صناعة الآلات الموسيقية الشرقية في العالم العربي بلا منازع كالعود والرق والدف، والتي يتم تصديرها بكميات كبيرة إلى معظم أنحاء العالم، ولا يوجد منافس عربي للعود الدمشقي حالياً، على الرغم من أن هناك العديد من الدول التي تصنع العود كالعود العراقي والمصري.
العود الدمشقي وبلاد الشام
يعتبر العود الدمشقي انعكاساً لبيئة بلاد الشام الوسطية التي تتميز بحضارتها العريقة وطبيعتها الخلابة، وإن صوت العود الدمشقي غني جميل وعذب، يجمع كل أنواع الأصوات، لا يعطي صوتاً خشناً (قرار) ولا صوتاً حاداً (جواب) هو عود وسطي لذلك يرتاح العازف والمطرب عندما يعزف على العود السوري.
تعود صناعة آخر الأعواد من قبل إلياس عبده النحات، آخر صناع العود من أبناء عائلة النحات الدمشقية العريقة، إلى عام 1984، وقد اشتهر كثيرون من أبناء هذه العائلة كصانعين مهرة، وقد تأسس متحف “عبده جرجي نحات” وأولاده للنجارة في دمشق عام 1880، وهاجر بعدها إلى البرازيل واستقر في مدينة ساو باولو.
مزايا العود الدمشقي
تحتاج صناعة العود لأنواع أساسية من الخشب وهي الأخشاب الحراجية، ويصنع العود الدمشقي من عدة أنواع من الخشب مثل الجوز والمشمش للظهر، وذلك بسبب جودة هذه الأخشاب وتواجدها بكثرة في غوطة دمشق والشوح أو الأرز (السدر) للوجه الذي يمتاز بطراوته والصوت الحنون الذي يمنحه للآلة. ويتم تركيب زند العود والفرس والمضرب والمفاتيح ليصبح جاهزاً لتركيب الأوتار.
تمر الأعواد الدمشقية بمراحل تقطيع الخشب وصقله وتكوينه قبل أن تزين بالزخارف الدمشقية، ويعتبر الجوز أفضل أنواع الخشب لهذه الصناعة لكونه يتميز بالصلابة والجودة وهو ذو شكل جميل، ويوازيه خشب الأبانوس بالجودة إلا أن الأخير أغلى ثمناً، والحصول عليه أمر صعب للغاية .
يمتاز تصميم العود الدمشقي بشكله الراقي الكلاسيكي وزخرفته القليلة لكونه يعتمد على عرق الخشب والتزيين بفسيفساء بسيطة. كما يتضمن تصنيع العود 72 مرحلة وقد تنتهي صنع آلة خلال يومين أو عشرة أيام بناء على شكل العود ودقته وزخرفته.
سر تفوق العود الدمشقي
ويعود سر تفوق العود الدمشقي على غيره من الأعواد الأخرى أنه يبقى لأكثر من مئة سنة دون أن يتغير، فتوجد أعواد عمرها 120 سنة وما يزال العزف عليها ممكناً، كما أنه يحافظ على وضعه، بل يصبح صوته أجود كلما ازداد عمره دون أن يتأثر بالعوامل الطبيعية، والحرفي الدمشقي يضع روحه في الآلة الموسيقية التي يصنعها. تتفاوت أسعار العود بين أسعار رمزية ومرتفعة حسب دقتها، وكلما زاد عمر العود يرتفع سعره وقيمته الفنية ويصبح صوته أجمل وبالتالي يحدد ثمنه بناء على مدة تصنيعه وزخرفته.
إدراج العود الدمشقي على قائمة التراث اللامادي لليونيسكو
اعتبر فن صناعة الأعواد والعزف عليها العنصر الخامس الذي يدرج باسم سوريا بعد تسجيل عناصر القدود الحلبية والوردة الشامية، والصقارة والقنص وعنصر مسرح خيال الظل على لائحة التراث العالمي الإنساني.
وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “يونسكو” عنصر صناعة العود والعزف عليه في سوريا على قائمة التراث الإنساني الثقافي اللامادي، خلال اجتماع الدورة الـ 17 للجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي اللامادي الذي عقد في العاصمة المغربية الرباط في عام 2022.
مجتمع
العود الدمشقي.. رنة وتر لا تفارق أزمنة الشام وحاراتها
1790

مقالات ذات صلة

دراسة حديثة حول أخطار ارتفاع الحرارة على المجتمعات الإنسانية
كشفت دراسة علمية حديثة قادها باحثون من جامعات في أمريكا اللاتينية، أن الارتفاع المتسارع في درجات الحرارة العالمية يدفع البشر نحو نمط حياة أكثر خمولًا
22

هل الدردشة مع شخص حقيقي أفضل لمحاربة الوحدة من الدردشة مع الذكاء الاصطناعي؟
هل الدردشة مع شخص حقيقي أفضل لمحاربة الوحدة من الدردشة مع الذكاء الاصطناعي؟.. سؤال بات يطرح نفسه بقوة
48

وفاة امرأة سورية حامل مع أطفالها الخمسة وإصابة آخرين إثر حريق اندلع في تركيا
قضت امرأة سورية حامل مع أطفالها الخمسة وأصيب آخرون بينهم أب الأطفال، إثر حريق كبير اندلع في تركيا أول أيام عيد الفطر.
46

العيدية.. طقس يجمع الأطفال و"الموظفين"
تعد عيدية الأطفال في عيد الفطر أحد أبرز الموروثات الشعبية التي حافظت على حضورها في المجتمعات العربية عبر الأجيال
74

يرتفع سعره في الأعياد.. "الآس" نبات المقابر وإكليل الرسل
اعتاد السوريون في أول أيام العيد على زيارة المقابر ووضع أغصان من نبات (الآس) على القبور، فتكتسي بثوب أخضر وتفوح منها رائحة زكية، فيزداد الطلب على هذا النبات في عيدَي "الفطر والأضحى"، ويباع أمام المقابر وفي الأسواق.
282



