فن

الفنان العالمي عمر حمدي.. "مالفا" الحسكاوي الذي حمل "تل نايف" إلى كل العالم

16
الفنان العالمي عمر حمدي.. "مالفا" الحسكاوي الذي حمل "تل نايف" إلى كل العالمعبدالرحمن السيد

في الثامن عشر من تشرين الأول، تعود ذكرى رحيل الفنان التشكيلي السوري عمر حمدي، المعروف باسم "مالفا"، الذي توفي في فيينا عام 2015، تاركاً وراءه تجربة فنية استثنائية امتدت من قرية تل نايف في ريف الحسكة إلى عواصم الفن الأوروبية، ومن تفاصيل الحياة المحلية إلى لوحات اتسعت فيها مساحات اللون والوجه والذاكرة والأسئلة الإنسانية.


وبعد أحد عشر عاماً على رحيله، لا تبدو تجربة مالفا مجرد سيرة فنان سوري وصل إلى العالمية، بل حكاية إنسان ظلّت الأماكن الأولى تسكنه، حتى بعدما ابتعد عنها جغرافياً لعقود. فمهما حاول الابتعاد عن تل نايف والحسكة منذ عام 1978، بقيت قريته ومدينته عالقتين في حياته ولوحاته وألوانه، كأن المسافة التي فصلته عن المكان لم تستطع أن تنتزع منه جذوره الأولى، أو تمحو أثر البيئة التي تشكّل فيها وبدأ منها رحلته الطويلة.


من تل نايف إلى دمشق.. البدايات الأولى


وُلد عمر حمدي عام 1951 في قرية تل نايف بمحافظة الحسكة، في بيئة ريفية شكلت ذاكرته البصرية الأولى، بما تحمله من وجوه وملامح إنسانية ومشاهد طبيعية وتفاصيل يومية بسيطة، ستعود أصداؤها لاحقاً في أعماله، وإن اختلفت الأساليب وتبدّلت الأمكنة.


كانت تلك البيئة أكثر من خلفية جغرافية لطفولته، فقد منحت عينه فرصة التأمل في الوجوه والحركة واللون، وعرّفته إلى علاقة الإنسان بأرضه ومحيطه، وهي علاقة بقيت حاضرة في تجربته حتى حين انتقل إلى عوالم فنية أكثر اتساعاً وتعقيداً.


وفي سنوات شبابه، اتجه إلى دمشق، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياته، واقترب أكثر من الوسط الفني والثقافي، وعمل في مجالات ارتبطت بالفن والتصميم، وراح يطوّر أدواته ويبحث عن لغته الخاصة. ولم تكن الطريق أمامه سهلة؛ فقد جاء من بيئة بعيدة عن المراكز الفنية الكبرى، وكان عليه أن يشق طريقه بإمكاناته وموهبته وإصراره، وأن يجد لنفسه مكاناً في مشهد تشكيلي تتعدد فيه المدارس والاتجاهات.


ومع مرور الوقت، لم يعد الرسم بالنسبة إليه مجرد ممارسة فنية، بل أصبح وسيلته للتعبير عن العالم، وإعادة تشكيل ما تختزنه الذاكرة من صور وانطباعات ومشاعر.


الطريق إلى المنفى أم إلى حلم العالمية؟


شكّل عام 1978 محطة مفصلية في حياة مالفا، حين غادر سورية متجهاً إلى الخارج، قبل أن تستقر به الرحلة في فيينا، العاصمة النمساوية التي أصبحت مقراً لحياته الفنية لسنوات طويلة.


كان الانتقال إلى أوروبا بداية مرحلة جديدة، بما حملته من فرص للاحتكاك بمدارس فنية مختلفة، والانفتاح على تجارب تشكيلية متعددة، واختبار إمكانات أوسع في التعامل مع اللون والكتلة والفضاء التشكيلي.


لكن الانتقال الجغرافي لم يكن قادراً على إنهاء الصلة بالمكان الأول. فالفنان الذي يعيش بعيداً عن قريته قد يغيّر أدواته وأساليبه، وقد تتبدل نظرته إلى العالم مع الزمن، إلا أن الذاكرة لا تتخلى بسهولة عن تفاصيلها الأولى. وفي تجربة مالفا، ظلت الجزيرة السورية حاضرة بطريقة تتجاوز النقل المباشر للمشهد؛ إذ يمكن أن تتسلل إلى اللوحة من خلال ملامح الوجوه، أو طبيعة التكوين، أو حرارة اللون، أو ذلك الحنين الذي لا يحتاج إلى تسمية كي يشعر به المتلقي.


ومن هنا، لا يمكن قراءة رحلته إلى أوروبا بوصفها قطيعة كاملة مع سورية، بل باعتبارها انتقالاً بتجربته إلى فضاء أرحب، حمل معه ما تكوّن في داخله من ذاكرة وانطباعات، وأضاف إليه ما اكتسبه من تجارب ومعارف ومشاهد جديدة.


 لماذا اختار اسم "مالفا"؟


ارتبط اسم عمر حمدي في الأوساط الفنية باسم "مالفا"، حتى بات الاسم الفني حاضراً بقوة إلى جانب اسمه الحقيقي، وأصبح علامة يعرف بها كثيرون تجربته وأعماله.


وتتصل حكاية الاسم بزهرة الختمية، المعروفة أيضاً باسم "مالفا"، فيما تذكر روايات أخرى أن الاسم جاء في سياق التعريف بأعماله خارج المنطقة العربية، حيث قدّم له اسم يسهل تداوله في الأوساط الفنية الأوروبية. ومهما اختلفت التفاصيل المتداولة حول بداية استخدامه، فإن "مالفا" تحوّل مع الزمن إلى هوية فنية مستقلة، ارتبطت بتجربة لها حضورها الخاص في المشهد التشكيلي.


ولم يكن الاسم وحده ما صنع شهرة الفنان، فالأسماء قد تلفت الانتباه، لكنها لا تمنح صاحبها مكانة مستدامة ما لم تسندها تجربة حقيقية. وقد استطاع مالفا أن يكوّن لغته البصرية الخاصة، وأن يطوّر أسلوبه عبر سنوات من العمل والبحث، حتى أصبحت أعماله قابلة للتعرّف إليها من خلال علاقاتها اللونية وتكويناتها وملامحها التعبيرية.


اللون بوصفه لغة.. والوجه بوصفه حكاية


الفنان عيسى النهار، رئيس فرع اتحاد الفنانين التشكيليين بالحسكة، قال لـ Syria One عن "مالفا": تتعدد المراحل والأساليب في تجربة عمر حمدي "مالفا"، وتتنقل أعماله بين التعبير التشخيصي والتعبيرية والتجريد، مع حضور لافت للمناظر الطبيعية والوجوه الإنسانية والتكوينات التي تمنح اللون دوراً أساسياً في بناء اللوحة.


فاللون لديه لا يؤدي وظيفة تزيينية، ولا يكتفي بتحديد الأشياء أو محاكاة ألوان الطبيعة، بل يتحول إلى عنصر بنائي يشارك في صياغة المعنى، ويمنح العمل إيقاعه وحركته وطاقته الشعورية. وقد تتجاور في اللوحة ألوان قوية ومشبعة مع مساحات أكثر هدوءاً، أو تتقابل درجات لونية متباينة لتوليد توتر بصري يجعل العين تتحرك داخل العمل، بدلاً من أن تستقر عند تفصيل واحد.


وفي بعض أعماله، تبدو الوجوه وكأنها تحمل أكثر مما تكشفه ملامحها الظاهرة؛ فهي ليست مجرد صور لأشخاص، بل مساحات للتعبير عن القلق والحزن والدهشة والوحدة، وعن أحوال إنسانية تتجاوز حدود المكان الذي جاءت منه.


أما الطبيعة، فلا تحضر دائماً بوصفها مشهداً واقعياً يراد نقله بأمانة فوتوغرافية، وإنما تتحول إلى تجربة لونية مفتوحة، تتداخل فيها الذاكرة مع الرؤية، ويعيد الفنان ترتيب عناصرها وفق إحساسه الخاص. وهنا تتراجع الحدود الصارمة بين المشهد كما تراه العين والمشهد كما تستعيده الروح.


وتكشف التحولات التي عرفتها تجربته عن فنان لم يتوقف عند أسلوب واحد، بل ظل يبحث عن إمكانات جديدة للتعبير. فالتجريب عنده لم يكن غاية شكلية، بل وسيلة لتوسيع مساحة اللوحة، وإيجاد علاقات مختلفة بين اللون والخط والكتلة، وبين الصورة المباشرة وما يمكن أن توحي به من معانٍ.


وتابع النهار بأن خصوصية تجربة عمر حمدي تتجلى في الطريقة التي استطاع بها أن يجعل اللون جزءاً من بنية اللوحة وروحها، لا مجرد وسيلة حيث تبرز أهمية العلاقات بين الألوان المتباينة والمتقاربة، وما تولّده من حركة داخل التكوين، إلى جانب دور ضربات الفرشاة في منح السطح التصويري حيوية وتوتراً تعبيرياً. فالقيمة الفنية لا تتحدد بقوة اللون منفرداً، بل بما ينشأ من حوار بين درجاته ومساحاته، وبقدرته على بناء حالة شعورية متكاملة.


كما أن التنوع الذي عرفته تجربة مالفا يستدعي النظر إلى أعماله ضمن مراحلها وتحولاتها، وعدم اختزالها في صفة واحدة أو أسلوب ثابت. 


ملتقى عمر حمدي "مالفا".. ذاكرة فنية تتجدد في الحسكة


وعن وفاء الحسكة لهذا الفنان الذي حمل ألوانه وذكرياته وقريته في لوحاته يقول النهار: لا يتوقف حضور عمر حمدي في الحسكة عند استعادة سيرته وأعماله، بل يمتد إلى المبادرات الثقافية التي سعت إلى إبقاء اسمه حاضراً في الحركة التشكيلية المحلية، وربط الأجيال الفنية الجديدة بإرثه.


وفي هذا السياق، أطلقت مديرية الثقافة في الحسكة، بالتعاون مع فرع اتحاد الفنانين التشكيليين، وبإشراف وزارة الثقافة، اسم عمر حمدي "مالفا" على ملتقى الفنانين التشكيليين السنوي، الذي يجمع نحو 25 فناناً من مختلف مناطق المحافظة، في مساحة للقاء وتبادل الخبرات والتجارب الفنية.


ويمنح الملتقى الفنانين فرصة لعرض رؤاهم وأساليبهم، والتواصل مع تجارب متنوعة تنتمي إلى بيئة جغرافية وثقافية واحدة، لكنها تتعدد في طرائق التعبير والمعالجة البصرية. كما يشكّل مناسبة لاستحضار مكانة الفن التشكيلي في الحياة الثقافية بالحسكة، وللتأكيد على أن المحافظة التي أنجبت مالفا تمتلك طاقات فنية تستحق الرعاية والتعريف بها.


وقد استمر تنظيم الملتقى حتى عام 2024، حين أُقيمت آخر دوراته، ليبقى الاسم الذي يحمله تعبيراً عن تقدير تجربة فنية تجاوزت حدود المكان، وعن رغبة في إبقاء هذا الإرث جزءاً من الذاكرة الثقافية المحلية.


ويمنح إطلاق اسم الفنان العالمي عمر حمدي مالفا على الملتقى دلالة تتجاوز التكريم الرمزي؛ فهو يعيد وصل التجربة العالمية للفنان ببيئتها الأولى، ويذكّر بأن الاعتراف بالفنان لا يكتمل بالاحتفاء بإنجازه خارج وطنه فقط، بل يحتاج أيضاً إلى حفظ أثره في المكان الذي شهد بداياته، وإلى توفير المساحات التي تسمح للفنانين الشباب بمواصلة البحث والتجريب.


 من الحسكة إلى العالمية


لم تأتِ المكانة التي حققها مالفا من واقعة واحدة أو معرض منفرد، بل من تراكم تجربة طويلة، ومن قدرته على تطوير أسلوبه والانفتاح على المشهد التشكيلي الأوروبي، مع الاحتفاظ بخصوصية لغته البصرية.


فقد أتاح له وجوده في فيينا الاقتراب من بيئة فنية وثقافية مختلفة، والتواصل مع فضاءات العرض والنقد، وتقديم أعماله إلى جمهور لا ينتمي بالضرورة إلى خلفيته الثقافية. وفي مثل هذه المسارات، لا يكفي أن يحمل الفنان ذاكرة مكان بعيد، بل يحتاج أن يمنحها صيغة فنية قادرة على مخاطبة المتلقي خارج حدود اللغة والجغرافيا.


وهنا تكمن إحدى نقاط قوة تجربة مالفا؛ إذ لم يكن انتماؤه إلى سورية عائقاً أمام انفتاحه على العالم، كما لم يكن وجوده في أوروبا سبباً في محو خصوصيته. لقد عمل على بناء لغة تجمع بين خبرته المحلية ومعارفه الفنية المتراكمة، وبين ما تختزنه الذاكرة وما تتيحه التجربة الجديدة من إمكانات.


ولذلك، يمكن النظر إلى حضوره العالمي بوصفه حصيلة مسار من العمل والتجريب والتطور، لا مجرد حكاية فنان سوري هاجر إلى أوروبا. فاللوحة التي تحمل ملامح إنسانية قابلة للتأويل، أو تبني عالمها من علاقات لونية متوترة، تستطيع أن تصل إلى متلقين مختلفين؛ لأنها تترك لهم مساحة للقراءة، وتمنحهم فرصة الدخول إلى العمل من أبواب متعددة.


 حين تسكن الجزيرة ذاكرة الفنان


مهما ابتعد مالفا عن تل نايف والحسكة، ظل المكان الأول جزءاً من حكايته. وربما لا يظهر هذا الارتباط دائماً في صورة قرية مرسومة أو مشهد ريفي مباشر، لكنه يتبدى في الإحساس الذي يرافق أعماله.


فالقرية التي بدأ منها لم تكن محطة عابرة في سيرته، بل مساحة تشكّلت فيها نظرته الأولى فى إلى العالم. والحسكة التي احتضنت بداياته ظلت جزءاً من هويته، حتى بعدما عاش سنوات طويلة في أوروبا، واكتسب خبرات فنية وثقافية جديدة.


 رحم الله الفنان عمر حمدي الحاضر الغائب في جميع المحافل الثقافية في مدينته، ولوحاته مازالت شاهدة على أن مالفا سوري الهوية والانتماء وهذا ما كان يتغنى به في جميع لقاءاته الإعلامية على مر السنين .


الفنان عمر حمدي الفنان العالمي عمر حمدي.. "مالفا" الحسكاوي الذي حمل "تل نايف" إلى كل العالم

مقالات ذات صلة

منتخب ألمانيا فوق 80 عاماً يحرز لقب كأس العالم

منتخب ألمانيا فوق 80 عاماً يحرز لقب كأس العالم

أحرز المنتخب الألماني لكرة القدم لفئة “فوق 80 عاماً” لقب النسخة الأولى من كأس العالم لهذه الفئة العمرية، التي استضافتها أستراليا
21
مصطفى ربيع يعود بصوت الفنان الراحل هاني شاكر.. أنا مش بعتب عليك

مصطفى ربيع يعود بصوت الفنان الراحل هاني شاكر.. أنا مش بعتب عليك

أعاد المغني المصري الشاب مصطفى ربيع صوت الفنان الراحل هاني شاكر إلى واجهة مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما انتشرت مقاطع مصورة له وهو يؤدي عددًا من
31
الفنانة المصرية يسرا تشيد بالفنانة إلهام شاهين.. ما السبب؟

الفنانة المصرية يسرا تشيد بالفنانة إلهام شاهين.. ما السبب؟

أشادت الفنانة المصرية يسرا، بتضحيات الفنانة إلهام شاهين في تصريحات خلال ندوة عن البطولة النسائية في شباك تذاكر السينما، على هامش فعاليات النسخة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي
33
مي عمر وصراع المرأة مع الظلم في مسلسلها الجديد حليمة جبران

مي عمر وصراع المرأة مع الظلم في مسلسلها الجديد حليمة جبران

تعود الفنانة المصرية مي عمر، من خلال مسلسلها الجديد "حليمة جبران"، الذي يعيد تقديم صراع المرأة مع الظلم والخيانة داخل محيطها العائلي، في امتداد لنهج درامي اعتادت من خلاله استقطاب اهتمام الجمهور
35
جدة التاريخية تحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي

جدة التاريخية تحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي

تحتفي جدة التاريخية باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي، الذي يوافق 17 أكتوبر من كل
63
سيرياون إعلان 7