سياسي

القصر العدلي في الحسكة.. هل تكشف "اليافطة" تعقيدات الدمج السوري؟

430
القصر العدلي في الحسكة.. هل تكشف "اليافطة" تعقيدات الدمج السوري؟

أعادت الحكومة السورية، اليوم السبت 9 مايو/ أيار، تركيب اليافطة الخاصة بالقصر العدلي في مدينة الحسكة، للمرة الرابعة خلال أيام، بعد أن أزيلت عدة مرات متتالية من قبل أعضاء "الشبيبة الثورية" التابعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" قسد، احتجاجاً على غياب اللغة الكردية عنها.


ورُفعت اللوحة الجديدة باللغة العربية فقط، من دون إدراج اللغتين الكردية أو الإنجليزية، بعدما كانت النسخ السابقة تتضمن العربية والإنجليزية دون الكردية، ما أثار موجة احتجاجات متكررة في المدينة.


الفريق الرئاسي أجرى زيارة، صباح اليوم، إلى القصر العدلي بالمدينة برفقة نائب قائد الأمن الداخلي في المحافظة؛ سيامند عفرين (محمود خليل)، وذلك في إطار التحضيرات لإعادة افتتاحه وتفعيل المنظومة القضائية في الحسكة، فيما شهد محيط المبنى انتشاراً لقوى الأمن الداخلي.


الحجارة التي طالت مبنى القصر العدلي في الحسكة لم تكن مجرد حادثة غضب عابرة، ولا كان تمزيق لافتة المؤسسة القضائية حدثاً معزولاً يمكن احتواؤه أمنياً أو إعلامياً، فما جرى في المدينة أعاد، دفعة واحدة كشف الهشاشة التي تحيط بمسار دمج مناطق شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وأظهر أن الطريق بين الاتفاقات السياسية وتطبيقها على الأرض لا يزال مليئاً بالعقد والأسئلة المؤجلة.


في خضم التوتر، اختار محافظ الحسكة نور الدين أحمد مقاربة مختلفة نسبياً، تقوم على تهدئة الخطاب وتقديم الحادثة بوصفها سلوكاً مرفوضاً لا يمثّل أبناء المنطقة، مؤكداً أن الحفاظ على الأمن والاستقرار مسؤولية جماعية، وأن الاعتداء على المؤسسات العامة لا يؤدي إلا إلى زيادة التوتر وتعطيل مصالح الناس.


هذه اللغة بدت في توقيتها ومضمونها مهمة، لأنها حاولت نقل النقاش من مربع التخوين والانقسام إلى مساحة المسؤولية العامة، في لحظة تتزايد فيها المخاوف من تحوّل الخلافات الإدارية والسياسية إلى توترات مجتمعية أوسع.


لكن خلف الدعوات إلى التهدئة، تقف أزمة أعمق بكثير من حادثة لافتة أو خلاف لغوي، فالاعتداء على القصر العدلي جاء في لحظة حساسة من المفاوضات بين الحكومة السورية و"قسد"، حيث تحوّل ملف القضاء إلى إحدى أكثر النقاط تعقيداً في مسار الدمج. 


دمشق تنظر إلى المؤسسة القضائية باعتبارها التعبير الأكثر وضوحاً عن سيادة الدولة ووحدة القانون، بينما تتعامل "الإدارة الذاتية" مع الملف بوصفه جزءاً من البنية الإدارية والسياسية التي تشكّلت خلال سنوات الحرب، ولا يمكن تفكيكها دفعة واحدة.


ومن هنا، لم يكن الخلاف حول لافتة كُتبت بالعربية أو بالكردية أو بالإنكليزية إلا انعكاساً لصراع أعمق يتعلق بسؤال الهوية الإدارية والسياسية للمنطقة، ليطرح سؤالاً مشروعاً، كيف يمكن إعادة دمج مؤسسات تشكّلت خارج سلطة الدولة لسنوات طويلة؟ وما حدود الخصوصية المحلية ضمن نموذج الدولة المركزية؟


الحكومة السورية حاولت التعامل مع المسألة من زاوية قانونية ودستورية، عبر التأكيد أن العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في المؤسسات العامة، مع الاعتراف بالكردية كلغة وطنية يمكن تدريسها واستخدامها ثقافياً وتعليمياً، لكن الاحتجاجات التي رافقت إزالة اللغة الكردية من اللوحة التعريفية عكست حجم الحساسية المرتبطة بأي تغيير يُفهم محلياً بوصفه تراجعاً عن الاعتراف بالخصوصية الثقافية الكردية.


في المقابل، أثارت طريقة الهجوم على القصر العدلي قلقاً أكبر من القضية نفسها، خصوصاً مع ظهور مجموعات "الشبيبة الثورية" في واجهة المشهد مجدداً، وهي مجموعات ارتبط اسمها لسنوات بحالات التوتر الأمني والتجنيد القسري والاستقطاب الأيديولوجي.


الأخطر بالنسبة لكثير من المتابعين لم يكن الهجوم وحده، بل غياب التدخل الفعّال من القوى الأمنية الموجودة في المكان، ما أعاد طرح تساؤلات حول مدى تماسك البنية الأمنية داخل تلك المناطق وحول قدرة القيادات المنخرطة في التفاوض مع دمشق على ضبط القوى الرافضة لمسار الدمج.


وهنا تحديداً تظهر المعضلة الأساسية التي تواجه الاتفاق بين الطرفين. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط ببنود الاتفاق أو آليات التنفيذ، بل أيضاً بوجود رؤيتين مختلفتين داخل قسد نفسها، تيار يدفع باتجاه التسوية والانخراط التدريجي ضمن مؤسسات الدولة، وتيار آخر يخشى أن يؤدي الدمج إلى خسارة النفوذ السياسي والأمني الذي راكمه خلال السنوات الماضية.


ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن مسار الدمج حقق بالفعل خطوات مهمة خلال الأشهر الماضية، سواء عبر إدماج ألوية عسكرية ضمن الجيش السوري، أو تعيين شخصيات من قسد في مواقع رسمية، أو تسلّم الدولة إدارة بعض المؤسسات والسجون، إلا أن حادثة القصر العدلي كشفت أن التقدم الإداري والعسكري لا يعني بالضرورة تجاوز التوترات السياسية الكامنة تحت السطح.


مقالات ذات صلة

أردوغان يؤكد لبوتين أهمية ضمان أمن الملاحة في البحر الأسود

أردوغان يؤكد لبوتين أهمية ضمان أمن الملاحة في البحر الأسود

أفادت الرئاسة التركية بأن ​الرئيس رجب طيب أردوغان ‌أبلغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال مكالمة هاتفية جرت ​اليوم الأربعاء، بأهمية الجهود ​الرامية إلى ضمان أمن الملاحة ⁠في البحر الأسود ، ​مضيفة أن أردوغان كرر عرضه ​بالمساعدة في تيسير إجراء محادثات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا.
246
السعودية تفتح تحقيقا فيما يخص واقعة رحلة طيران فلاي دبي

السعودية تفتح تحقيقا فيما يخص واقعة رحلة طيران فلاي دبي

أفادت ثلاثة مصادر مطلعة ​بأن السعودية فتحت ‌تحقيقا في واقعة طعن قائد طائرة تابعة لشركة ​فلاي دبي الأسبوع ​الماضي، مشيرين إلى أن ⁠الخبراء يدرسون أي ​تداعيات محتملة على سلامة ​الطيران، وذلك بالتزامن مع تحقيق جنائي منفصل تقوده ​الإمارات.
319
صدور مذكرة اعتقال لرئيس سابق لجهاز المخابرات الألماني

صدور مذكرة اعتقال لرئيس سابق لجهاز المخابرات الألماني

ذكرت ‌منصة (فوكوس أونلاين) الإخبارية ​الألمانية ​أن قاضيا في ⁠محكمة ​العدل الاتحادية ​الألمانية أصدر اليوم الأربعاء ​مذكرة ​اعتقال رسمية بحق ‌رئيس ⁠سابق لجهاز المخابرات
288
جي دي فانس يقايض إيران.. خفض جوهري لتخصيب اليورانيوم مقابل إنهاء الحرب

جي دي فانس يقايض إيران.. خفض جوهري لتخصيب اليورانيوم مقابل إنهاء الحرب

أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن على إيران إجراء خفض جوهري لقدراتها ‏على تخصيب اليورانيوم، لتلبية مطالب واشنطن والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب
369
التصعيد بين إيران وأمريكا.. تعثر المسار الدبلوماسي واستمرار التوتر في مضيق هرمز

التصعيد بين إيران وأمريكا.. تعثر المسار الدبلوماسي واستمرار التوتر في مضيق هرمز

يستمر التصعيد بين إيران والولايات المتحدة في ظل تعثر المسار الدبلوماسي واستمرار التوتر في مضيق هرمز، الذي تحول إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة منذ اندلاع الحرب في فبراير، وسط تلويح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإنهاء الحرب "قريباً" بطريقة أو أخرى، وتوعد طهران بالرد على الأصول المصالح الأميركية حول العالم.
430
سيرياون إعلان 7