لم تعد مخاطر المبيدات الزراعية في سوريا تقتصر على تأثيرها في المحاصيل، بل تمتد إلى تلوث التربة والمياه، وتراجع الخصوبة وجودة المنتجات الزراعية، وصولاً إلى صحة المستهلكين، في ظل ممارسات استخدام غير رشيدة وضعف الإرشاد والرقابة.
ويشير خبير المكافحة الحيوية والمتكاملة للآفات الزراعية، الدكتور نبيل أبو كف، في تحليل خاص لـSyria One، إلى محدودية البيانات الميدانية الحديثة والدقيقة حول تلوث التربة والمياه بالمبيدات في سوريا، نتيجة ضعف المراقبة وظروف الحرب، موضحاً أن مؤشرات الخطر ترتفع في مناطق الزراعات المكثفة والبيوت المحمية والخضار والحمضيات والقطن وبعض مشاريع الري، دون أن يعني ذلك انتشار المشكلة بالتساوي في جميع الأراضي.
ممارسات تزيد مخاطر التلوث
ويبدأ الخطر، بحسب أبو كف، من زيادة الجرعات أو تخفيف التركيز عشوائياً، وخلط مبيدات دون معرفة توافقها، والرش الدوري دون مسح الحقول أو مراعاة العتبة الاقتصادية، فضلاً عن استخدام مستحضرات غير مسجلة أو منتهية الصلاحية أو مغشوشة، وهي مشكلة تفاقمت بعد عام 2011.
وتشمل الممارسات الخطرة أيضاً الرش قرب الآبار والقنوات، وغسل آلات الرش في أقنية الري، وترك العبوات في الحقول، وعدم الالتزام بفترة ما قبل الحصاد، والرش داخل البيوت المحمية دون تهوية أو وقاية شخصية، وتكرار المادة الفعالة نفسها دون تدوير، إضافة إلى سوء معايرة آلات الرش وصيانتها.
ويوضح الخبير أن التلوث قد يكون موضعياً ومركزاً حول أماكن خلط المبيدات وغسل الآلات، أو واسع الانتشار عبر مياه الأمطار والري السطحي والتسرب إلى المياه الجوفية، خصوصاً في الأراضي الرملية الخفيفة والمناطق الكارستية ذات الصخور الجيرية المشققة، والمناطق الساحلية كثيرة الأمطار والري.
أضرار تطال التربة والمحاصيل والصحة
ولا تظهر آثار تراكم المبيدات دفعة واحدة؛ إذ يؤدي ذلك إلى تراجع النشاط الميكروبي والإنزيمي والكائنات النافعة، واضطراب دورة العناصر والمادة العضوية والإضرار بديدان الأرض، وقد تؤذي بقايا بعض مبيدات الأعشاب المحاصيل اللاحقة، كما قد تتلوث الآبار والقنوات ومصادر الشرب والري، وتنتقل الملوثات عبر السلاسل الغذائية.
وعلى مستوى المحاصيل، قد يؤدي تجاوز الحدود القصوى لبقايا المبيدات إلى رفض المنتجات تصديرياً، وفقدان ثقة المستهلك وتراجع قيمتها التسويقية.
أما صحياً، فتشمل المخاطر التسمم الحاد للعاملين، وآثاراً مزمنة محتملة مرتبطة باضطرابات الغدد والصحة الإنجابية وبعض الأورام، مع حساسية أكبر لدى الأطفال والحوامل وكبار السن.
الإدارة المتكاملة بدلاً من منع المبيدات
ويربط أبو كف الإفراط في الاستخدام بالخوف من خسارة المحاصيل وضغط الآفات وضعف التنبؤ، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب تراجع الإرشاد والمدارس الحقلية وقلة البدائل، وتسويق مستحضرات غير منضبط وانتشار المغشوش منها، وضعف الرقابة ومراقبة البقايا مخبرياً، كما يسهم نقص التدريب على العتبات الاقتصادية والمعايرة وفترات الأمان، وصغر الحيازات وضيق الهامش المالي، في تفضيل الحلول السريعة.
ويقترح الخبير تحديث تسجيل المبيدات وحظر المستحضرات عالية الخطورة تدريجياً مع توفير البدائل، وضبط الجودة والتتبع ومعاقبة الغش ومراقبة البقايا في الأسواق والمياه.
كما يدعو إلى مدارس حقلية مجانية وحقول إيضاحية وتدريب على المعايرة والوقاية وفترات ما قبل الحصاد، والتوسع في المكافحة الحيوية والمصائد الفرمونية والمبيدات الحيوية والأصناف المقاومة والدورة الزراعية والتعقيم الشمسي والشبكات والحواجز وإدارة الري والتسميد.
ويشمل ذلك دعم المبيدات الحيوية والمصائد وأدوات الوقاية، وتشجيع الشراء الجماعي والتسهيلات الائتمانية والتأمين الزراعي، ومنح علاوة سعرية للمحاصيل المطابقة للحدود المسموح بها، إلى جانب إنشاء مختبرات للبقايا، وجمع آمن للعبوات، ومواقع للغسل ومناطق عازلة قرب المياه، وصيانة آلات الرش.
ويؤكد أبو كف أن الحل لا يكمن في منع المبيدات، بل في ترشيد استخدامها ضمن الإدارة المتكاملة، مشدداً على ضرورة اقتران أي حظر ببدائل مدعومة وتدريب وتعويض انتقالي، حتى لا يتحمل المزارع وحده كلفة التغيير أو يتأثر إنتاجه الزراعي.






