سياسي

"الناتو" بلا أميركا.. إطار سياسي بلا أنياب

7
"الناتو" بلا أميركا.. إطار سياسي بلا أنيابمحمد رجب

صب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جام غضبه على حلف شمال الأطلسي (الناتو) علناً، وذلك في مقابلة مع صحيفة تلغراف البريطانية، واصفاً الحلف بأنه "نمر من ورق"، مؤكداً أنه لم يعد يعتبر أوروبا شريكاً دفاعياً موثوقاً به.


وصرّح ترامب للصحيفة بشكل مباشر أن انسحاب أمريكا من حلف الناتو أصبح الآن "أمراً لا رجعة فيه"، وذلك على خلفية رفض حلفاء الناتو طلب ترامب إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز، إذ ترددت الدول الأعضاء للحلف في المساعدة على إعادة فتح المضيق.


وفي وقت سابق وجه ترامب انتقادات، ووصفهم بالجبناء، ووصف شعوره تجاههم بخيبة الأمل، وصرّح بأن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة لمساعدتهم، وأضاف أن سلوكهم لن يُنسى، بحسب ما جاءت به صحيفة فرانكفورتر ألغيماينه الألمانية.


وبعد أزمة غرينلاند وموقف أوروبا المعارض لسياسة ترامب جاءت الحرب على إيران لتدعم توجه ترامب الذي كان يسعى إليه خلال ولايته الأولى، حين هدد ترامب بالانسحاب من الحلف، مُعللاً ذلك بعدم كفاية الإنفاق الدفاعي.


وكتب ترامب في منشور على منصته "تروث سوشال": "عليكم أن تتعلموا كيف تدافعوا عن أنفسكم. احصلوا على نفطكم بأنفسكم!" كما خصّ ترامب بحديثه المملكة المتحدة، وتحديداً رئيس الوزراء كير ستارمر، لرفضه التدخل في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، مُلمّحاً إلى أن البحرية الملكية غير مؤهلة لهذه المهمة، وقال ترامب: "ليس لديكم حتى أسطول بحري. أنتم مُتقادمون جداً، وحاملات طائراتكم لم تكن صالحة للعمل".


من جانبه أكد ستارمر مجدداً دعمه لحلف الناتو، واصفاً إياه بأنه "التحالف العسكري الأكثر فعالية على الإطلاق في العالم"، وأشار ستارمر إلى أنه سيسعى إلى توثيق العلاقات مع أوروبا رداً على تدهور العلاقات مع واشنطن، وقال إنه "مهما كانت الضجة"، سيتصرف بما يخدم المصلحة البريطانية، وأضاف: "هذه ليست حربنا، ولن نُجرّ إليها".


هل يستطيع ترامب الانسحاب من الناتو قانونياً؟


يتطلب أي قرار بانسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو موافقة الكونغرس الأمريكي، وبالتالي لا يمكن للرئيس وحده البتّ في الأمر، ففي عام 2023، سنَّ المجلس التشريعي الأمريكي قانوناً يمنع الرئيس من "تعليق عضوية الولايات المتحدة في حلف الناتو، أو إنهائها، أو إدانتها، أو سحبها" دون موافقة مجلس الشيوخ أو قانون صادر عن الكونغرس.


وكان معهد بيو للأبحاث أجرى الصيف الماضي استطلاع رأي بين أن موقف الشعب الأمريكي من حلف الناتو منقسم، حيث أبدى 45 بالمئة من الجمهوريين (أنصار ترامب) المستطلعة آراؤهم تأييدهم لحلف الناتو، مقارنةً بـ 77 بالمئة من الديمقراطيين.


ومع ذلك هذا لا يعني تأييد الجمهوريين المطلق لترامب في حربه مع إيران، إذ لم يُعلن سوى عدد قليل من الجمهوريين في الكونغرس تأييدهم لترامب علناً، على الرغم من أن استطلاعات الرأي تُظهر أن غالبية قاعدته الشعبية تؤيد الحرب.


وقد أثار طلب ترامب من حلف الناتو المساعدة في حربه تساؤلات حول المادة الخامسة من معاهدة الناتو للدفاع المشترك، التي تنص على أن "الهجوم على أحد الطرفين هو هجوم على الجميع".


لم يُفعل هذا البند سوى مرة واحد رداً على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة، وهو ما أسفر عن حرب في أفغانستان قادتها دول الناتو وأدت إلى مقتل أكثر من 1100 جندي غير أمريكي في الحرب، من بينهم 457 جندياً بريطانياً وفقاً لصحيفة تلغراف.


وينطبق هذا البند فقط على حالات تعرض دولة عضو في حلف الناتو لهجوم، وبالتالي لا ينطبق ذلك على الحرب في إيران، التي بدأت بغارات جوية أمريكية إسرائيلية مشتركة في 28 فبراير/ شباط الماضي.


ماذا يعني انسحاب واشنطن من حلف الناتو؟


بحسب مراكز مثل "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" و"مؤسسة راند"، فإن واشنطن تمثل "عقل الناتو" فهي ليست مجرد قوة نوعية عالية المستوى عدة وعديداً وإنما هي جوهر الحلف كعمل عسكري موحد.


وتكشف الأرقام بحسب "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، أن الولايات المتحدة تشكل نحو 66% من إجمالي الإنفاق العسكري لدول "الناتو"، كما تؤكد تقارير حديثة أن واشنطن شكلت نحو 60% من إنفاق الحلف الدفاعي في 2025 .


وعلى الرغم من أن مساهمتها في الميزانية المشتركة للحلف لا تتجاوز نحو 14–16% فقط، إلا أن حجم جيشها وتسليحها المنتشر ضمن الحلف يشكلان القوة الحقيقية الأمريكية داخل هيكلية الحلف بشكل عام.


وتوضح تحليلات "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" أن المشكلة تتعلق بنوع القدرات التي توفرها واشنطن، فالناتو يعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في مجالات حيوية تشمل التزود بالوقود جواً، والاستخبارات، والإنذار المبكر، والنقل العسكري الإستراتيجي، الدفاع الصاروخي البالستي، والحرب الإلكترونية.


وتشير هذه الدراسات إلى أن الوجود الأمريكي في أوروبا تجاوز 100 ألف جندي بعد حرب أوكرانيا؛ ما يجعل واشنطن الضامن الفعلي للردع العسكري في القارة، وليس مجرد شريك ضمنه، لذلك فإن تهديدات ترامب تعمل على شرخ الثقة بقدرات الناتو إضافة إلى خلق فراغ فوري لن تضيعه روسيا أبداً، ليس فقط عسكرياً، بل سياسي أيضًا، لأن الناتو يقوم أساسًا على الثقة بأن واشنطن ستتدخل، حيث ترى مراكز مثل المجلس الأطلسي أن انسحاب الولايات المتحدة أو تقليص دورها سيؤدي إلى اهتزاز مباشر في مبدأ الدفاع الجماعي (المادة الخامسة)، الذي يقوم أساساً على ضمانة التدخل الأمريكي.


فضلا عن كل ذلك لا يقتصر الدور الأمريكي على المال والسلاح، بل يمتد إلى القيادة، فمنذ تأسيس الناتو، يتولى جنرال أمريكي منصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، وهو موقع يعكس هيمنة واشنطن على التخطيط العملياتي، لذلك، فإن انسحاب واشنطن سيحول الحلف من تحالف ردع فعّال إلى إطار سياسي يفتقد أدوات القوة.


وفي الوقت نفسه، يشير خبراء إلى أن مجرد التشكيك الأمريكي في التزامه بالحلف يضعف الردع حتى دون انسحاب فعلي، لأن الناتو يقوم في جوهره على "مصداقية التعهد"، لا على الأرقام فقط.


مقالات ذات صلة

الإندبندنت: كيف يخطط ترامب لإنهاء حرب إيران؟

الإندبندنت: كيف يخطط ترامب لإنهاء حرب إيران؟

نشرت الإندبندنت البريطانية، مقالاً يتناول طريقة تفكير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصفة عامة، مع التركيز على الطريقة التي يدير بها ملف الحرب
16
بريطانيا تعقد اجتماعاً عسكرياً لبحث أمن مضيق هرمز الأسبوع المقبل

بريطانيا تعقد اجتماعاً عسكرياً لبحث أمن مضيق هرمز الأسبوع المقبل

أكدت وزارة الدفاع في بريطانيا أن مسؤولين عسكريين سيعقدون اجتماعاً الأسبوع المقبل في مقر القيادة المشتركة الدائمة لبحث الوضع في مضيق هرمز
14
الأرجنتين تطرد القائم بالأعمال الإيراني محسن طهراني من أراضيها

الأرجنتين تطرد القائم بالأعمال الإيراني محسن طهراني من أراضيها

ذكر بيان صادر عن وزير الخارجية الأرجنتيني اليوم الخميس أن الحكومة اعتبرت القائم بالأعمال الإيراني محسن طهراني "شخصا غير مرغوب فيه" وطردته من البلاد
25
ماكرون يتهم ترامب بإفرغ "الناتو" من مضمونه

ماكرون يتهم ترامب بإفرغ "الناتو" من مضمونه

اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، نظيره الأمريكي دونالد ترامب بإفراغ حلف شمال الأطلسي (الناتو) من مضمونه
27
اختراق يعتقد أنه صيني لـ"FBI" هو الأكبر والأخطر منذ سنوات

اختراق يعتقد أنه صيني لـ"FBI" هو الأكبر والأخطر منذ سنوات

صنّف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "FBI" اختراقا سيبرانيا حديثا يُشتبه بارتباطه بالصين كـ"حادث سيبراني
27
سيرياون إعلان 7