وليد الحمصي - سيريا ون
انهيار مشروع "قسد"، في إطلاق الإدارة الذاتية قد يعني نهاية التغيير الديموغرافي الذي أحدثته في مناطق أساسية من تلك التي تسيطر عليها، خاصة في مدينة "عين عرب – كوباني"، التي تعد بالنسبة لـ قسد ذات ثقل سياسي ورمزي وزادت أهميتها بعد الهجوم الذي شنه تنظيم داعش على المدينة في حزيران من العام 2015، والذي كان له الأثر الكبير في تشكيل "قسد"، بدفع من الولايات المتحدة الأمريكية من خلال دمج مجموعة من الفصائل من مكونات مختلفة، لكنها منحت "الوحدات الكردية"، التي كانت تعتبر الجناح العسكري لـ حزب الاتحاد الديمقراطي، حق القيادة، علماً أن هذا الحزب لم يخفِ في أي وقت حقيقة إنه امتداد لـ "حزب العمال الكردستاني"، في الداخل السوري.
التركيبة الديمواغرفية لـ "كوباني"، قبل العام 2011 تقوم على تنوع بين العرب والكرد والأرمن، إلا أن "الوحدات الكردية"، استغلت ظرف الدعم المطلق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب على داعش، وتمكنها من السيطرة على مدينة منبج لتفرض واقعاً ديموغرافياً جديداً، وباتت تتحدث عن "أراض كردية"، على الرغم من كون تعداد القرى الكردية المحيطة بالمدينة لا يزيد عن 15 فقط، وليست كلها "قرى كردية"، بالمطلق إذ يتواجد من بينها 5 قرى مشتركة مع العرب، فيما تعد باقي القرى المحيطة بالمدينة مسكونة من العشائر العربية، في حين ان الأرمن والذين لا يزيد تعدادهم قبل العام 2011 عن ألف شخص، كانوا يعيشون بداخل المدينة التي تشير البيانات الصادرة في العام 2004 إلى أن تعدادها كان يرواح عند 45 ألفاً، ولا يوجد بيانات رسمية صدرت بعد ذلك.
الوحدات الكردية تمكنت من السيطرة على عدد كبير من القرى الممتدة بين عين عرب – منبج، وحولت الأراضي الزراعية الموجودة في هذه القرى لصالح استثمارها من قبل قيادات "قسد"، من الكرد تحديداً، وهؤلاء وزعوا الأراضي على معارفهم ومستثمرين آخرين، ومع انحسار المساحة التي تسيطر عليها "قسد"، حالياً إلى مدينة عين العرب والقرى التي تعرف بـ "الكردية"، يبدو أن التغيير الديموغرافي الذي أحدثته من تهجير قسري لـ المكون العربي، وهجرة طوعية لـ الأرمن إلى خارج المنطقة، قد ينتهي لكن الأمر ليس بسيطاً كما تؤكد المعلومات التي حصلت عليها "Syria one"، من مصادر أهلية في المنطقة، فالقرى العربية شبه مدمرة وتحتاج عملية إعادة إعمارها إلى الكثير من الجهد قبل أن يتمكن السكان من الحياة فيها بشكل مستقر، لكن قد يعود مالكي الأراضي لاستثمار المساحات الزراعية التي يمتلكونها.
الأساليب التي اعتمدتها قسد بالتغيير الديموغرافي في عين عرب خصوصا، والمنطقة التي سيطرت عليها إبان انتهاء تنظيم "داعش"، بنيت على توطين الكرد غير السوريين الذين استقدمتهم من إقليم شمال العراق كـ مقاتلين مع عوائلهم.
قسد تلعب اليوم بورقة المرسوم الصادر مؤخراً فيما يخص حقوق الكرد، وخاصة المادة المعنية بمنح الجنسية، لتقونن هذا التغيير من خلال منح الجنسية السورية لـ كرد غير سوريين، ما يفتح المجال أمام وجود مستدام لـ فكر منظمة "حزب العمال الكردستاني"، الموضوعة على لائحة التنظيمات الإرهابية، وإن كانت هذه المنظمة قد أعلنت عن حل نفسها بشكل رسمي فإن ذلك لا يعني اختفائها من الوجود، فالفكر الذي تقوم عليه، هو ذاته العقيدة القتالية لـ "الوحدات الكردية"، وما يتبع لها من تنظيمات كردية مسلحة.
إنهاء مشروع التغيير الديموغرافي في المنطقة الشرقية يعتمد أساساً على إجراءات دقيقة يجب أن تتخذها الحكومة السورية في مسألة منح الجنسية، وإن كانت الثبوتيات القانونية تضمن حقوق العرب في ممتلكاتهم من الأراضي الزراعية والعقارات ضمن ما انسحبت منه قسد من مناطق، إلا أن هذه الممتلكات ما تزال رهن السطو من قبل القيادات الكردية ضمن ما بقي لـ قسد في مساحات من الحسكة وعين عرب، وعليه لابد من وجود عمل قانوني يضمن استعادة هذه الحقوق من قبل أصحابها على يد الحكومة السورية، ويجب أن يكون من ضمن الخطوات التنفيذية لتطبيق الاتفاق الجديد الذي تم التوصل إليه قبل يومين.
لا تمتلك أي من الجهات التي تواصلت معها "Syria one"، تقديرات دقيقة لحجم ما اغتصبته قسد من مناطق، لكن هناك ما يزيد عن 100 ألف كردي غير سوري يقيمون ضمن المناطق التي سيطرت عليها "قسد"، وقد منحوا أراض زراعية ومنازل في مناطق متفرقة من الحسكة وحلب بهدف إحداث التغيير، وهؤلاء هم عوائل المقاتلين المرتبطين بـ الكردستاني، وخروجهم من الأراضي السورية في حال إثبات عدم سوريتهم يحتاج لتنسيق مع الدول المعنية (العراق – تركيا – إيران – أرمينيا)، فالكرد المرتبطين بـ الكردستاني ليسوا من جنسية واحدة، وفقاً لما تؤكده المصادر.
نهاية مشروع "قسد"، لا تعني نهاية لـ الحقوق الكردية في الداخل السوري، وإنما نهاية لمشروع يبدو أنه خطوة أساسية في إنهاء تغيير ديموغرافي وسطو ممنهج على أملاك المكونات السورية في مناطق الشمال الشرقي من البلاد، وبالتالي ربما يكون خطوة نحو ترسيخ وحدة الأراضي السورية بشكل نهائي حتى وإن أقر نظام اللامركزية الإدارية كأداة لإدارة المحافظات السورية.






