ليست السينما ذاكرةً محفوظة على شريط فحسب، بل ذاكرة تحتاج إلى من يعرضها، ويعيد قراءتها، ويمنحها فرصة الوصول إلى جمهورٍ جديد كلّما مرّ الزمن. وقد تكون المفارقة المؤلمة في التجربة السينمائيّة السوريّة أن بعض أهمّ أفلامها ما زال حاضراً في الكتب، والدراسات، والمهرجانات، لكنّه غائب عن المشاهدة المنتظمة، وعن النقاش الثقافي اليومي، وعن ذاكرة أجيال لم تتح لها فرصة اكتشافها.
يحتفي العالم، في 27 أكتوبر من كلّ عام، باليوم العالمي للتراث السمعي البصري، الذي أطلقته منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" للتنبيه إلى أهمّيّة حماية الأفلام، والتسجيلات، والوثائق السمعيّة، والبصريّة، وضمان بقائها متاحة للأجيال المقبلة. لكن المناسبة تطرح على السينما السوريّة سؤالاً يتجاوز حفظ الأشرطة: ماذا يعني بقاء الفيلم موجوداً، بينما تتراجع فرص مشاهدته؟
ليس المقصود هنا أن السينما السوريّة خالية من الذاكرة، أو أن أفلامها المهمّة اختفت جميعاً. فبعضها يحظى بتقدير نقدي مستمر، وبعضها عاد إلى الشاشات عبر مهرجانات ومشروعات ترميم دوليّة. المشكلة أن هذا الحضور لا يصبح ثقافة سينمائيّة عامّة، ولا يضمن انتقال تلك الأفلام كجزء من تجربة المشاهدة لدى الأجيال الجديدة.
"المخدوعون".. فيلم لم يفقد راهنيّته
يصعب الحديث عن السينما السوريّة من دون التوقّف عند فيلم "المخدوعون" للمخرج المصري توفيق صالح، الذي أُنتج العام 1972 بالتعاون مع المؤسسة العامّة للسينما في سورية، واستند إلى رواية "رجال في الشمس" للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني.
يتتبّع الفيلم مصائر ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت بحثاً عن حياة أفضل، مختبئين في خزّان شاحنة يعبر الصحراء. لكن الرحلة التي تبدو في ظاهرها محاولة للنجاة تنتقل إلى مواجهة مع مأساة اللجوء، والعجز، والخيارات التي تدفع إليها الحاجة.
تكمن قوّة "المخدوعون" في أنه لا يذهب بالشخصيّات إلى شعارات سياسيّة، بل يمنح المأساة وجهاً إنسانيّاً، ويستخدم الاقتصاد في الحوار والصورة بالأبيض والأسود لبناء توتّر يتصاعد حتّى نهايته القاسية.
نال الفيلم التقدير في مهرجانات دوليّة، وفاز بالتانيت الذهبي في أيّام قرطاج السينمائيّة، ثمّ شهد العام 2023 محطّة مهمّة في تاريخه، حين رُمّم بتقنيّة 4K ضمن مشروع العالم السينمائي التابع لمؤسسة الفيلم، بالتعاون مع سينتيكا دي بولونيا والمؤسسة العامّة للسينما وأسرة توفيق صالح.
إنّ عودة "المخدوعون" بنسخة مرممة تثبت أن الفيلم لا يحتاج إلى إعادة إنتاج كي يستعيد حضوره، بل قد يحتاج إلى حماية نسخته الأصليّة، وإتاحتها، وتقديمها إلى جمهور لم يشاهدها من قبل.
"الفهد".. السينما السوريّة من الواقع المحلّي
قدّم المخرج نبيل المالح في العام 1972 فيلم "الفهد"، المقتبس عن رواية الروائي حيدر حيدر، بمشاركة أديب قدورة في أحد أبرز أدواره السينمائيّة.
يعود الفيلم إلى البيئة الريفيّة السوريّة في ظلّ الانتداب الفرنسي، ويتناول شخصيّة رجل يتمرّد على سلطة الإقطاع والقمع، في حكاية تتجاوز حدود المواجهة الفرديّة إلى أسئلة الحريّة والعدالة والعلاقة بين الإنسان والسلّطة.
أهمّيّة "الفهد" لا تأتي من موضوعه الوطني وحده، بل من سعيه إلى تقديم شخصيّة متناقضة تتحرّك داخل واقعٍ قاسٍ، ومن محاولته منح البيئة المحلّيّة دلالات تتجاوز المكان والزمان اللذين تدور فيهما الأحداث.
كما يكشف الفيلم عن مرحلة كانت فيها المؤسسة العامّة للسينما تتيح، رغم القيود والتحدّيات، مساحة لإنتاج أعمال ذات طموح فنّي وفكري واضح.
ولا يعني ذلك أن كلّ اختيارات الفيلم أو مقولاته أصبحت خارج النقاش؛ فإعادة مشاهدته اليوم تتيح لنا أيضاً مساءلة طرائق تصوير البطولة والتمرّد والعلاقة بين الفرد والجماعة.
محمد ملص.. المدينة كجزء من ذاكرة سينمائيّة
يمثّل فيلم "أحلام المدينة" لمحمد ملص، الذي أُنجز العام 1984، محطّة مهمّة في تاريخ السينما السوريّة والعربيّة.
لا يتعامل الفيلم مع دمشق بوصفها خلفيّة جغرافيّة للأحداث، بل يجعل المدينة وفضاءاتها الاجتماعيّة والسياسيّة جزءً من تجربة الطفل الذي يراقب عالماً مضطرباً من حوله. ومن خلال الذاكرة الشخصيّة، تتداخل الحكاية العائليّة مع التحوّلات التي عاشتها البلاد، ويصبح المكان نفسه شاهداً على الخوف والفقد وتبدّل العلاقات.
في هذا العمل، لا تُختزل السياسة في الخطب أو المواجهات المباشرة، بل تتسلل إلى الحياة اليوميّة، وإلى العلاقات داخل الأسرة، وإلى الطريقة التي يتشكّل بها وعي الطفل بالعالم.
وتكمن أهمّيّة الفيلم في أنه قدّم نموذجاً لسينما سوريّة تستطيع الانطلاق من تجربة محلّيّة شديدة الخصوصيّة، ثمّ تفتح أسئلتها على جمهور أوسع.
ومع ذلك، فإنّ مكانة "أحلام المدينة" في تاريخ السينما لا تعني أن حضوره الجماهيري مضمون. فالمعرفة باسم الفيلم أو مخرجه تختلف عن مشاهدته، والاحتفاء به في مناسبة ثقافيّة لا يعوّض غياب العروض المنتظمة والنسخ الجيّدة والمتاحة.
إن إعادة تقديم هذه الأفلام ليست عملاً توثيقيّاً فقط؛ إنها فرصة لإعادة اكتشاف كيف استطاعت السينما جعل الذاكرة الشخصيّة مدخلاً إلى التاريخ العامّ.
"الليل".. سينما لا تمنح إجابات سهلة
قدّم محمد ملص فيلم "الليل" في العام 1992، وهو عمل يمتد في طبقاته الزمنيّة والنفسيّة، ويعود إلى الماضي السوري عبر حكاية تتشابك فيها الذاكرة الفرديّة مع التاريخ والتحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة.
لا يسعى الفيلم إلى تقديم رواية تاريخيّة مبسّطة، ولا يمنح المشاهد إجابات جاهزة. إنه يترك للشخصيّات وللمكان وللصور مهمّة كشف التناقضات التي تتراكم عبر الزمن.
ومن هنا تأتي صعوبة بعض تجارب السينما السوريّة المهمّة فهي لا تُصنع بالضرورة لتلبية متطلّبات المشاهدة السريعة، بل تحتاج إلى وقت وانتباه واستعداد للدخول في عوالمها المركبة.
لكن هذه الخصوصيّة الفنّيّة لا ينبغي أن تكون مبرراً لإبعاد الفيلم عن الجمهور. فالمطلوب ليس تبسيط العمل أو تجريده من تعقيده، بل توفير سياق يساعد المشاهد على الاقتراب منه، من خلال عروض ثقافيّة ونقاشات نقديّة وموادّ تعريفيّة موثوقة.
وإذا كانت السينما التجاريّة تُذكّرنا بنفسها عبر إعادة العرض والانتشار، فإن الأفلام التي تحتاج إلى المشاهدة المتأنية تصبح أكثر اعتماداً على المؤسسات الثقافيّة والنقاد والسينماتيك والمهرجانات.
عمر أميرالاي.. عندما تصبح الكاميرا شاهداً على المجتمع
لا تكتمل أيّ محاولة لاستعادة الذاكرة السينمائيّة السوريّة من دون أعمال عمر أميرالاي الوثائقيّة، وفي مقدّمتها "الحياة اليوميّة في قرية سوريّة" العام 1974، الذي يُعد من الأفلام المهمّة في تاريخ السينما الوثائقيّة السوريّة.
تكمن قيمة أميرالاي في أنه لم يتعامل مع الفيلم الوثائقي باعتباره تسجيلاً محايداً لما يحدث أمام الكاميرا. كانت الصورة لديه مدخلاً إلى مساءلة الواقع، وإلى كشف التناقضات بين الخطاب الرسمي والتجربة المعيشة.
ومن خلال الاقتراب من المجتمع وتفاصيل الحياة اليوميّة، أصبحت أفلامه وثائق ثقافيّة وسياسيّة، لا لأنها تحفظ صورة مرحلة معيّنة وكفى، بل لأنها تدفع المشاهد إلى التساؤل عن الطريقة التي تُصنع بها الروايات العامّة، وعن الأصوات التي تظهر في الصورة وتلك التي تبقى خارجها.
وهذه الأفلام لا تحتاج إلى استعادتها من باب الوفاء لمخرج راحل فقط، بل لأن أسئلتها حول المجتمع والسلّطة والصورة لا تزال صالحة للنقاش.
لكن الفيلم الوثائقي يواجه تحدّياً إضافيّاً فهو يحتاج إلى أرشيف يحفظ المادّة المصوّرة، وسياق يشرح ظروف إنتاجها، ومؤسسات تتيحها للباحثين والجمهور. وإذا غابت هذه الشروط، فقد يبقى اسم المخرج معروفاً، فيما تصبح مشاهدة أعماله أصعب مما ينبغي.
"شيء ما يحترق".. غسان شميط.. الجولان وذاكرة العودة
لا يكتفي المخرج غسان شميط في فيلمه "شيء ما يحترق" (1993)، برواية حكاية عائلة سوريّة اقتُلعت من بيتها في الجولان المحتلّ، بل يقترب من جرح أعمق؛ ماذا يحدث للإنسان حين يصبح بيته قريباً من عينيه، بعيداً عن قدرته على العودة إليه؟ يتابع الفيلم مأساة أبي رمزي، الذي يؤدّي دوره يوسف حنا، وزوجته أم رمزي التي تجسّدها منى واصف، وابنهما رمزي الذي يؤدّي دوره بسام كوسا. وبين قسوة النزوح وضيق العيش وتبدّل العلاقات داخل الأسرة، تتجاوز الحكاية حدود التهجير لتصبح مواجهة مع الفقد والحنين وتآكل الأحلام تحت وطأة الظروف.
تكمن أهمّيّة الفيلم أيضاً في صلته الشخصيّة بالمخرج؛ فشميط، المولود في القنيطرة، استند إلى ذاكرة الجولان وتجارب عاشها وسمع تفاصيلها من أشخاص قريبين منه، وهو ما يمنح العمل إحساساً بأن المأساة ليست موضوعاً اختاره من الخارج، بل ذاكرة يحاول استعادتها بالصورة. وقد نال الفيلم جائزة في مهرجان دمشق، فيما حمل أداء يوسف حنا، ولا سيّما في تجسيد الأب المعلّق بين بيته القديم وواقعه القاسي، ثقلاً إنسانيّاً يفسّر استمرار حضور الشخصيّة في الذاكرة السينمائيّة السوريّة.
لكن لماذا لا يحضر "شيء ما يحترق" اليوم بالقدر الذي يستحقه في النقاش العامّ عن السينما السوريّة؟ هنا تتجاوز المسألة تقييم الفيلم نفسه إلى سؤال أوسع عن مصير الذاكرة السينمائيّة، فكم من الأفلام التي تناولت قضايا سوريّة جوهريّة بقيت أسيرة عروض متباعدة، وغياب الإتاحة الرقميّة المنتظمة، وضعف الاستعادة النقديّة؟ إن نسيان هذه الأعمال لا يعني فقط تراجع الاهتمام بتاريخ السينما، بل يعني أيضاً خسارة طرق فنّيّة مختلفة لرواية تاريخنا وتجاربنا.
لماذا ننسى أفلامنا؟
لا يمكن تفسير تراجع حضور بعض الأفلام السوريّة بعاملٍ واحدٍ، ولا يصح افتراض أن جميعها تعرّض للإهمال نفسه. لكن ثمّة أسئلة أساسيّة ينبغي طرحها.
أين توجد النسخ الأصليّة والنسخ الصالحة للعرض؟ وما الأفلام التي رُممت، وما الذي لا يزال يحتاج إلى الترميم؟ وهل توجد فهارس عامّة دقيقة تسهّل معرفة الأعمال المتاحة وأماكن حفظها؟ وهل يمكن للطلاب والباحثين والمهتمين الوصول إليها بصورة قانونيّة وبجودة مناسبة؟
ثمّ يأتي السؤال المتعلّق بالتوزيع والإتاحة: كم مرة تُعرض هذه الأفلام في الصالات أو المراكز الثقافيّة؟ وهل تصل إلى المنصّات الرقميّة؟ وهل تتوافر عنها موادّ نقديّة موثوقة تساعد الأجيال الجديدة على اكتشافها؟
إن حفظ التراث السينمائي لا يتوقف عند امتلاك نسخة من الفيلم؛ فالحفظ من دون إتاحة يجعل الذاكرة بعيدة عن أصحابها، والإتاحة من دون حماية تقنيّة قد تجعلها عرضة للفقد والتلف.
وتزداد أهمّيّة هذه الأسئلة في الحالة السوريّة، حيث تفرض سنوات الحرب والتحوّلات التي شهدتها البلاد تحدّيات إضافيّة على المؤسسات الثقافيّة والأرشيفات، ما يجعل توثيق الموجود، والتحقق من أماكن حفظ النسخ، وتحديد ما يحتاج إلى إنقاذ، مهامّ لا تحتمل التأجيل.
قد ننجح في حفظ الفيلم داخل الأرشيف، لكننا نفشل في حفظه داخل الذاكرة. وبين الأمرين تتحدد مسؤوليّتنا الحقيقية تجاه سينمانا.






