لم تكن الأمطار التي هطلت في منطقة عين عيسى بريف اللاذقية الشمالي مجرد حالة طقس عابرة، بل تحولت خلال ساعات إلى سيول جارفة غيّرت مصير عائلة، وأطفأت طفولة طفلين إلى الأبد في مخيمات النازحين في المنطقة.
فمع اشتداد الهطولات المطرية التي تجاوزت غزارتها 450 مترا مكعبا في الثانية في الثامن من شباط/فبراير، داهمت السيول عشرات الخيام المنتشرة شمال غربي سوريا، لكن في إحدى الخيام القريبة من مجرى مائي موسمي، كانت المأساة الأسرع والأقسى، ثلاثة أطفال جرفتهم المياه، بينما كانت والدتهم تحاول عبثًا الإمساك بهم وسط الظلام والطين وصوت المطر الذي غطّى على الصراخ.
الدفاع المدني السوري أعلن لاحقاً وفاة طفلين، وإنقاذ طفل ثالث بعد عمليات بحث وإنقاذ صعبة، في وقتٍ كانت فيه الأم تقف على مقربة من المكان، تنتظر، بلا صراخ ولا دموع، وكأنها تعلّق ما تبقى من أملها على عودة الجميع.
الطفل الذي نجا أُخرج من بين المياه وهو في حالة صدمة، صامتًا، يرتجف، يحمل في عينيه ما لا يستطيع قوله، عاد إلى حضن أمه، لكنه عاد وحده، أما الطفلان الآخران، فلم تعُدهما السيول.
في المخيم، لم يكن الخبر رقمًا جديداً في نشرة، بل فقدا جماعيا، خيمة امتلأت بالماء والطين، وأمّ تحاول أن تفهم كيف يمكن لليلة واحدة أن تغيّر كل شيء، وكيف يمكن للانتظار أن ينتهي بخيبة لا تشبه أي خيبة.
تزامنت هذه الحادثة مع غرق عشرات المخيمات في ريف إدلب الغربي وريف اللاذقية، حيث وثّقت فرق الدفاع المدني تشكّل سيول واسعة داهمت خياما أقيمت في مناطق منخفضة أو قرب مجاري مائية، ما استدعى استنفارًا واسعًا لفرق الطوارئ وإنقاذ عائلات حوصرت داخل خيامها.
لكن خلف الأرقام والبلاغات، بقيت قصة هذه الأم شاهدة على هشاشة الحياة في المخيمات، حيث لا سقف يحمي من المطر، ولا أرض تصدّ الماء، وحيث يمكن لسيول مفاجئة أن تتحول إلى فاجعة، في تلك الليلة من شباط، لم تخسر هذه العائلة طفلين فقط، بل خسرت شعور الأمان، وخسرت الثقة بأن الغد سيكون أرحم.
ودعت محافظة اللاذقية سكان القرى المحيطة بالنهر الكبير الشمالي إلى الابتعاد عن ضفافه، محذرة من موجة فيضانية، كما طالبت وزارة الطوارئ السورية أهالي القرى الواقعة على ضفاف نهر العاصي في مدينة دركوش وريفها بمحافظة إدلب وصولا إلى قرى غرب سلقين- بالابتعاد عن مجرى النهر نتيجة الارتفاع الكبير في منسوب مياهه.






