محلي

أنفاق الشرق السوري.. إرث الحرب الذي يمكن أن يتحول إلى فرصة

288
أنفاق الشرق السوري.. إرث الحرب الذي يمكن أن يتحول إلى فرصةSyria One - خاص

يتفق كثير من أهالي المنطقة الشرقية على مفارقة تختصر جانباً من سنوات الحرب والإنفاق خلالها: «لو أن ما صُرف تحت الأرض على الأنفاق والتحصينات صُرف فوق الأرض، لكانت مناطقنا اليوم تشبه شمال العراق (كردستان العراق )».


فخلال سنوات سيطرة «قسد» والإدارة الذاتية، شهدت مناطق واسعة من الحسكة والرقة ودير الزور حفر أنفاق وممرات ومنشآت تحت الأرض، بعضها داخل المدن، وبعضها في محيطها ومناطقها الريفية، لأغراض عسكرية وأمنية ولوجستية.


وبعيداً عن الأرقام المتداولة حول تكلفة هذه الشبكات، والتي تحتاج إلى وثائق رسمية لإثباتها، فإن حجم الأعمال المنفذة يشير إلى إنفاق كبير على الحفر والتدعيم والتجهيز والتهوية والاتصالات. وفي منطقة كانت عائدات النفط فيها أحد أهم مصادر الموارد، يبرز اليوم سؤال مختلف: هل يمكن للدولة الجديدة أن تستفيد من هذا الإنفاق بدلاً من أن يتحول إلى كلفة ضائعة؟


فالأموال التي أُنفقت لا يمكن استعادتها، لكن المنشآت التي أنشئت بها ما زالت قائمة في أجزاء واسعة منها. ولذلك، فإن الخيار المنطقي لا يبدو في هدمها جميعاً، ولا في الإبقاء عليها جميعاً، وإنما في إخضاعها لدراسة هندسية وأمنية دقيقة.


الأنفاق يمكن أن تتحول إلى أصول للدولة


يرى المهندس سامر العلي خلال حديث مع موقع Syria One أن النظر إلى الأنفاق باعتبارها مجرد منشآت عسكرية يقلل من قيمتها المحتملة بعد انتهاء الحرب.


ويقول إن بعض الشبكات وبعد التأكد من سلامتها الإنشائية، يمكن أن تتحول إلى منشآت لوجستية ومخازن محمية أو مرافق للطوارئ، فيما يمكن استخدام بعضها لأغراض أخرى تتناسب مع طبيعة الموقع والتجهيزات الموجودة فيه.


ويؤكد أن «هدم هذه المنشآت جميعها يعني عملياً إهدار الأموال التي صُرفت عليها مرة ثانية، بينما يمكن إعادة توظيف الجزء الصالح منها وفق حاجة الدولة».


وبحسب هذا التصور، ينبغي أن تبدأ الدولة بحصر الأنفاق وإعداد خرائط لها، ثم فحصها وتصنيفها وفق الموقع والعمق والحالة الإنشائية والاستخدام السابق، قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن كل شبكة.


يمكن أن تصبح ممراً للبنية التحتية


من زاوية مختلفة، يرى المهندس عبد الرحمن ش، المختص في هندسة المدن، أن هناك جانباً إيجابياً واضحاً في إمكانية الاستفادة من بعض الأنفاق الموجودة داخل المدن، ولا سيما باعتبارها ممرات تحت الأرض للبنية التحتية.


ويشير إلى إمكانية دراسة استخدامها لتمرير كابلات الكهرباء والهاتف والاتصالات، وحتى بعض خطوط مياه الشرب، بدلاً من إبقاء هذه التمديدات مكشوفة في الشوارع أو تعريضها للحفر المتكرر والعبث والسرقة.


ويرى أن هذه الفكرة قد تكون ذات جدوى في بعض المدن، شرط تأهيل الأنفاق ووضع أنظمة حماية تمنع العبث بالتمديدات أو سرقتها، وتأمين نقاط وصول منظمة تسمح بالصيانة والمتابعة.


لكن وفي ذات الوقت، يضع المهندس عبدالرحمن حداً واضحاً لهذه الفكرة، مؤكداً أن شبكات الصرف الصحي لا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها؛ لأنها تحتاج إلى ميول هندسية محددة لضمان جريان المياه، وقد لا تكون هذه الميول متوافرة في الأنفاق التي حفرت أصلاً لأغراض عسكرية.


وبالتالي، فإن الاستفادة من الأنفاق لا تعني تحويلها تلقائياً إلى شبكات خدمات، وإنما دراسة كل نفق على حدة وفق خصائصه الهندسية وموقعه وعلاقته بالبنية التحتية القائمة.


استخدام عسكري.. ولكن للدولة


ويرى عبدالرحمن أيضاً أن بعض الأنفاق يمكن أن تستفيد منها الدولة لأغراض عسكرية وأمنية، باعتبارها منشآت قائمة يمكن إعادة تأهيلها واستخدامها عند الحاجة، بدلاً من إنفاق أموال جديدة على إنشاء منشآت مشابهة.


لكن هذه المسألة، بطبيعة الحال، ينبغي أن تكون خاضعة بالكامل لمؤسسات الدولة المختصة، بعد توثيق الأنفاق وتأمينها وفحصها وإزالة مخلفات الحرب منها.


الأنفاق خارج المدن.. قصة مختلفة


أما الأنفاق الموجودة خارج المدن والمناطق المأهولة، فيرى المهندس عبدالرحمن أن الإبقاء عليها قد يحمل مخاطر أمنية جدية.


ففي المناطق النائية، يمكن أن تتحول المنشآت المهجورة إلى أماكن للاختباء والتخفي بالنسبة إلى الخارجين عن القانون، أو إلى مواقع يصعب الوصول إليها ومراقبتها، الأمر الذي يجعل كلفة حمايتها ومراقبتها أكبر من فائدتها.


ولهذا، فإن ردم عدد كبير من الأنفاق الواقعة خارج المدن قد يكون الخيار الأكثر أماناً، بعد إجراء مسح هندسي وأمني والتأكد من عدم وجود مخاطر أو ذخائر أو مواد خطرة فيها.


أما الأنفاق الموجودة داخل المدن، فيرى أن الأمر يستحق دراسة أوسع، لأن موقعها قد يمنحها قيمة حقيقية في مشاريع البنية التحتية المستقبلية.


من إرث الحرب إلى بنية تخدم السلم


بين الرأيين، تبدو الفكرة الأساسية واحدة: لا ينبغي للدولة أن تتعامل مع شبكة الأنفاق بمنطق واحد.


ما يصلح منها يمكن إعادة توظيفه، وما تحتاجه الدولة يمكن تأمينه، وما يشكل خطراً أو لا يحمل قيمة عملية يمكن ردمه.


وقد تكون الخطوة الأولى إنشاء فريق هندسي وأمني متخصص يتولى حصر الشبكات وإعداد خرائط لها، ثم تصنيفها إلى أنفاق قابلة للاستثمار، وأخرى ذات فائدة أمنية للدولة، وثالثة يجب إغلاقها وردمها.


وبذلك، فإن الأموال التي أنفقت خلال سنوات الحرب لا تنتهي قيمتها بمجرد انتهاء الحرب. فحتى لو لم يعد بالإمكان استعادة الأموال نفسها، يمكن استعادة جزء من قيمتها عبر إعادة استخدام المنشآت التي أنشئت بها.


وفي منطقة طالما اشتكى أهلها من نقص الكهرباء والمياه والطرق والخدمات، ربما يكون من المفيد أن تتحول بعض الأنفاق التي حفرت تحت الأرض إلى ممرات تحمل فوقها، ولو رمزياً، بداية مختلفة: كهرباء واتصالات ومياه وخدمات، بدلاً من أن تبقى شاهداً صامتاً على سنوات الحرب.


فليس المطلوب أن ترث الدولة أنفاقاً أكثر، بل أن تستفيد من الأنفاق التي ورثتها بأقل كلفة وأكبر منفعة، وأن تحول ما يمكن تحويله من إرث الحرب إلى أدوات تخدم مرحلة السلم وإعادة الإعمار.


مقالات ذات صلة

عدادات مياه مسبقة الدفع.. مدير عام مؤسسة مياه الشرب لـ Syria One: التعرفة والتكاليف قيد الدراسة وستُراعى جميع الشرائح

عدادات مياه مسبقة الدفع.. مدير عام مؤسسة مياه الشرب لـ Syria One: التعرفة والتكاليف قيد الدراسة وستُراعى جميع الشرائح

تعتزم مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي تركيب عدادات مياه مسبقة الدفع على مدة خمس سنوات، في مشروع يطرح تساؤلات بشأن تعرفة الاستهلاك، وكمية المياه التي ستبقى مدعومة للأسر، وتكاليف شراء العدادات وتركيبها
39
شرائح المازوت.. قرار على الورق حتى الآن.. خبير لـSyria One: تأخر التوزيع يرفع تكاليف الإنتاج والنقل

شرائح المازوت.. قرار على الورق حتى الآن.. خبير لـSyria One: تأخر التوزيع يرفع تكاليف الإنتاج والنقل

رغم إعلان شرائح سعرية للمازوت في سوريا، لا تزال إفادات مزارعين وسائقي باصات تشير إلى عدم حصولهم على الوقود المدعوم حتى الآن، واستمرار اعتمادهم على السعر الأعلى المتاح، ويطرح ذلك تساؤلات حول أسباب تأخر التوزيع، وانعكاسه على تكاليف الإنتاج الزراعي والنقل، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتأخر مستحقات
57
تفريغ ناقلة ديزل ورفض ناقلتين.. خبير لـ Syria One: استيراد المحروقات حل مؤقت وتأهيل التكرير المحلي هو الضمان

تفريغ ناقلة ديزل ورفض ناقلتين.. خبير لـ Syria One: استيراد المحروقات حل مؤقت وتأهيل التكرير المحلي هو الضمان

يشكل سوق المحروقات وسلاسل إمداد الطاقة في سوريا عصباً حيوياً يمس الحياة اليومية للمواطنين ويحرك عجلة القطاعات الاقتصادية والصناعية والزراعية. وفي ظل التحديات اللوجستية والمالية التي تواجه استقرار التوريدات، جاء بيان الشركة السورية للبترول
92
خط نقل المشتقات النفطية بين بانياس وحمص يتعرض لثقب

خط نقل المشتقات النفطية بين بانياس وحمص يتعرض لثقب

تعرض خط نقل المشتقات النفطية الممتد من بانياس إلى حمص لثقب في منطقة ‏حديدة، ما استدعى استنفار الفرق المختصة لعزل الموقع وتأمين محيطه والبدء ‏بإجراءات
56
بعد انقطاع لأكثر من 10 ‌‏أعوام.. السورية للبريد تستأنف إرسال الطرود إلى 5 دول

بعد انقطاع لأكثر من 10 ‌‏أعوام.. السورية للبريد تستأنف إرسال الطرود إلى 5 دول

أرسلت المؤسسة السورية للبريد اليوم الخميس أول دفعة من الطرود البريدية إلى ‌‏أمريكا، وهولندا، والسويد، والجزائر، وقطر بعد انقطاع دام لأكثر من 10 أعوام، ‏وذلك في إطار خططها لإعادة ربط سوريا بمختلف دول العالم.‏
47
سيرياون إعلان 7