محلي

أنفاق الشرق السوري.. إرث الحرب الذي يمكن أن يتحول إلى فرصة

18
أنفاق الشرق السوري.. إرث الحرب الذي يمكن أن يتحول إلى فرصةSyria One - خاص

يتفق كثير من أهالي المنطقة الشرقية على مفارقة تختصر جانباً من سنوات الحرب والإنفاق خلالها: «لو أن ما صُرف تحت الأرض على الأنفاق والتحصينات صُرف فوق الأرض، لكانت مناطقنا اليوم تشبه شمال العراق (كردستان العراق )».


فخلال سنوات سيطرة «قسد» والإدارة الذاتية، شهدت مناطق واسعة من الحسكة والرقة ودير الزور حفر أنفاق وممرات ومنشآت تحت الأرض، بعضها داخل المدن، وبعضها في محيطها ومناطقها الريفية، لأغراض عسكرية وأمنية ولوجستية.


وبعيداً عن الأرقام المتداولة حول تكلفة هذه الشبكات، والتي تحتاج إلى وثائق رسمية لإثباتها، فإن حجم الأعمال المنفذة يشير إلى إنفاق كبير على الحفر والتدعيم والتجهيز والتهوية والاتصالات. وفي منطقة كانت عائدات النفط فيها أحد أهم مصادر الموارد، يبرز اليوم سؤال مختلف: هل يمكن للدولة الجديدة أن تستفيد من هذا الإنفاق بدلاً من أن يتحول إلى كلفة ضائعة؟


فالأموال التي أُنفقت لا يمكن استعادتها، لكن المنشآت التي أنشئت بها ما زالت قائمة في أجزاء واسعة منها. ولذلك، فإن الخيار المنطقي لا يبدو في هدمها جميعاً، ولا في الإبقاء عليها جميعاً، وإنما في إخضاعها لدراسة هندسية وأمنية دقيقة.


الأنفاق يمكن أن تتحول إلى أصول للدولة


يرى المهندس سامر العلي خلال حديث مع موقع Syria One أن النظر إلى الأنفاق باعتبارها مجرد منشآت عسكرية يقلل من قيمتها المحتملة بعد انتهاء الحرب.


ويقول إن بعض الشبكات وبعد التأكد من سلامتها الإنشائية، يمكن أن تتحول إلى منشآت لوجستية ومخازن محمية أو مرافق للطوارئ، فيما يمكن استخدام بعضها لأغراض أخرى تتناسب مع طبيعة الموقع والتجهيزات الموجودة فيه.


ويؤكد أن «هدم هذه المنشآت جميعها يعني عملياً إهدار الأموال التي صُرفت عليها مرة ثانية، بينما يمكن إعادة توظيف الجزء الصالح منها وفق حاجة الدولة».


وبحسب هذا التصور، ينبغي أن تبدأ الدولة بحصر الأنفاق وإعداد خرائط لها، ثم فحصها وتصنيفها وفق الموقع والعمق والحالة الإنشائية والاستخدام السابق، قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن كل شبكة.


يمكن أن تصبح ممراً للبنية التحتية


من زاوية مختلفة، يرى المهندس عبد الرحمن ش، المختص في هندسة المدن، أن هناك جانباً إيجابياً واضحاً في إمكانية الاستفادة من بعض الأنفاق الموجودة داخل المدن، ولا سيما باعتبارها ممرات تحت الأرض للبنية التحتية.


ويشير إلى إمكانية دراسة استخدامها لتمرير كابلات الكهرباء والهاتف والاتصالات، وحتى بعض خطوط مياه الشرب، بدلاً من إبقاء هذه التمديدات مكشوفة في الشوارع أو تعريضها للحفر المتكرر والعبث والسرقة.


ويرى أن هذه الفكرة قد تكون ذات جدوى في بعض المدن، شرط تأهيل الأنفاق ووضع أنظمة حماية تمنع العبث بالتمديدات أو سرقتها، وتأمين نقاط وصول منظمة تسمح بالصيانة والمتابعة.


لكن وفي ذات الوقت، يضع المهندس عبدالرحمن حداً واضحاً لهذه الفكرة، مؤكداً أن شبكات الصرف الصحي لا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها؛ لأنها تحتاج إلى ميول هندسية محددة لضمان جريان المياه، وقد لا تكون هذه الميول متوافرة في الأنفاق التي حفرت أصلاً لأغراض عسكرية.


وبالتالي، فإن الاستفادة من الأنفاق لا تعني تحويلها تلقائياً إلى شبكات خدمات، وإنما دراسة كل نفق على حدة وفق خصائصه الهندسية وموقعه وعلاقته بالبنية التحتية القائمة.


استخدام عسكري.. ولكن للدولة


ويرى عبدالرحمن أيضاً أن بعض الأنفاق يمكن أن تستفيد منها الدولة لأغراض عسكرية وأمنية، باعتبارها منشآت قائمة يمكن إعادة تأهيلها واستخدامها عند الحاجة، بدلاً من إنفاق أموال جديدة على إنشاء منشآت مشابهة.


لكن هذه المسألة، بطبيعة الحال، ينبغي أن تكون خاضعة بالكامل لمؤسسات الدولة المختصة، بعد توثيق الأنفاق وتأمينها وفحصها وإزالة مخلفات الحرب منها.


الأنفاق خارج المدن.. قصة مختلفة


أما الأنفاق الموجودة خارج المدن والمناطق المأهولة، فيرى المهندس عبدالرحمن أن الإبقاء عليها قد يحمل مخاطر أمنية جدية.


ففي المناطق النائية، يمكن أن تتحول المنشآت المهجورة إلى أماكن للاختباء والتخفي بالنسبة إلى الخارجين عن القانون، أو إلى مواقع يصعب الوصول إليها ومراقبتها، الأمر الذي يجعل كلفة حمايتها ومراقبتها أكبر من فائدتها.


ولهذا، فإن ردم عدد كبير من الأنفاق الواقعة خارج المدن قد يكون الخيار الأكثر أماناً، بعد إجراء مسح هندسي وأمني والتأكد من عدم وجود مخاطر أو ذخائر أو مواد خطرة فيها.


أما الأنفاق الموجودة داخل المدن، فيرى أن الأمر يستحق دراسة أوسع، لأن موقعها قد يمنحها قيمة حقيقية في مشاريع البنية التحتية المستقبلية.


من إرث الحرب إلى بنية تخدم السلم


بين الرأيين، تبدو الفكرة الأساسية واحدة: لا ينبغي للدولة أن تتعامل مع شبكة الأنفاق بمنطق واحد.


ما يصلح منها يمكن إعادة توظيفه، وما تحتاجه الدولة يمكن تأمينه، وما يشكل خطراً أو لا يحمل قيمة عملية يمكن ردمه.


وقد تكون الخطوة الأولى إنشاء فريق هندسي وأمني متخصص يتولى حصر الشبكات وإعداد خرائط لها، ثم تصنيفها إلى أنفاق قابلة للاستثمار، وأخرى ذات فائدة أمنية للدولة، وثالثة يجب إغلاقها وردمها.


وبذلك، فإن الأموال التي أنفقت خلال سنوات الحرب لا تنتهي قيمتها بمجرد انتهاء الحرب. فحتى لو لم يعد بالإمكان استعادة الأموال نفسها، يمكن استعادة جزء من قيمتها عبر إعادة استخدام المنشآت التي أنشئت بها.


وفي منطقة طالما اشتكى أهلها من نقص الكهرباء والمياه والطرق والخدمات، ربما يكون من المفيد أن تتحول بعض الأنفاق التي حفرت تحت الأرض إلى ممرات تحمل فوقها، ولو رمزياً، بداية مختلفة: كهرباء واتصالات ومياه وخدمات، بدلاً من أن تبقى شاهداً صامتاً على سنوات الحرب.


فليس المطلوب أن ترث الدولة أنفاقاً أكثر، بل أن تستفيد من الأنفاق التي ورثتها بأقل كلفة وأكبر منفعة، وأن تحول ما يمكن تحويله من إرث الحرب إلى أدوات تخدم مرحلة السلم وإعادة الإعمار.


مقالات ذات صلة

وقفة في دمشق ضد قوانين الاستملاك والإيجار القديم.. خبراء لـSyria One: أراضٍ مستملكة منذ عقود وتعويضات لا تعادل قيمة العقار

وقفة في دمشق ضد قوانين الاستملاك والإيجار القديم.. خبراء لـSyria One: أراضٍ مستملكة منذ عقود وتعويضات لا تعادل قيمة العقار

شهدت منطقة الصالحية في دمشق، أمس الجمعة 28 آب 2026، وقفة احتجاجية أمام مبنى مجلس الشعب، للمطالبة بإسقاط قوانين الاستملاك والإيجار القديم واستعادة الحقوق المسلوبة، وذلك في وقفة مرخّصة بدأت عند الساعة 12 ظهراً واستمرت حتى الساعة 2 ظهراً، وسط وجود عناصر من الأمن العام
21
إيران تقر بالخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع ​الولايات المتحدة

إيران تقر بالخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع ​الولايات المتحدة

أقر القادة الإيرانيون بالخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع ​الولايات المتحدة، ودعا الزعيم الأعلى الحكومة إلى التعامل مع هذه التحديات، في حين أفاد الرئيس بأن التجارة الخارجية تقلصت بنسبة ‌35 بالمئة بسبب العقوبات والحصار الأمريكيين
8
السويداء.. انتهاء تجهيز 27 مركزا امتحانيا للدورة الاستثنائية

السويداء.. انتهاء تجهيز 27 مركزا امتحانيا للدورة الاستثنائية

أنهت محافظة السويداء تجهيز المراكز الامتحانية المعتمدة للدورة الاستثنائية لطلاب ‏شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، مع مراعاة كل اشتراطات الجودة، لتكون على ‏أتم الجاهزية لاستقبال الطلاب، وتوفير أجواء ملائمة لأداء امتحاناتهم المقرر انطلاقها ‏يوم غد السبت، في ريف المحافظة الشمالي
152
تناقضات الحرب.. رسوم شحن البضائع تطيح بالشركات الصغيرة وشركات النقل تعزز أرباحها في أمريكا

تناقضات الحرب.. رسوم شحن البضائع تطيح بالشركات الصغيرة وشركات النقل تعزز أرباحها في أمريكا

يواجه تجار التجزئة والمصنعون والشركات الصغيرة في  الولايات المتحدة ارتفاعاً كبيراً في رسوم شحن البضائع، بالتزامن مع زيادة تكاليف الوقود بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في وقت تستفيد فيه بعض شركات النقل من هذه الرسوم لتعزيز أرباحها
29
وفاة رجل وطفل جراء انفجار أمام قصر العدل في الحسكة

وفاة رجل وطفل جراء انفجار أمام قصر العدل في الحسكة

توفي رجل وطفل اليوم الجمعة جراء انفجار أمام قصر العدل ‌‏في مدينة الحسكة
268
سيرياون إعلان 7