اقتصاد

إعادة تشغيل بئري غاز في حقل "كونيكو".. خبير اقتصادي لـ Syria One: كل متر مكعب من الغاز المحلي يُوفّر الدولار غداً

72
إعادة تشغيل بئري غاز في حقل "كونيكو".. خبير اقتصادي لـ Syria One: كل متر مكعب من الغاز المحلي يُوفّر الدولار غداًلميس حسين

في ظل الوضع الراهن لإعادة بناء قطاع الطاقة السوري، أعلنت الشركة السورية للبترول عن بدء الضخ الفعلي وإعادة تشغيل بئرين غازيتين من أصل خمس آبار في حقل "كونيكو" (معمل الطابية) الواقع شرق محافظة دير الزور، بطاقة إنتاجية تصل إلى 1.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً. 


وتُعد هذه الخطوة العملية ذات دلالة تتجاوز قيمتها الكمية المباشرة، إذ تمثل اختباراً مبكراً لقدرة القطاع على الانتقال من مرحلة إعادة التأهيل إلى مرحلة الإنتاج الفعلي ضمن بيئة تشغيلية معقدة.


وقد جرت عمليات التأهيل والصيانة بأيادٍ وخبرات سورية محلية من مهندسي وفنيي الشركة السورية للبترول بالاستعانة بشركات محلية، حيث شملت الأعمال إعادة تأهيل محطة إنتاج ومعالجة الغاز باستخدام معدات معمل الطابية، واستكمال وإصلاح خط نقل الغاز الممتد من معمل الطابية باتجاه تدمر ومحطات التوليد (بما في ذلك الجزء الناقص بقطر 18 إنشاً وبطول نحو 5 كيلومترات)، إضافة لصيانة الصمامات المقطعية لضمان جاهزية الشبكة وتوجيه الإنتاج لدعم منظومة التوليد الكهربائي.


وفي تصريح خاص لـ Syria One، قدم الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، تحليلاً أكاديمياً واقتصادياً شاملاً لأبعاد هذا التطور وأثره المالي والتشغيلي على الخزينة العامة ومستقبل القطاع.


الأثر المالي الفوري وتخفيف فاتورة الاستيراد


دكتور محمد أكد في تصريحات لـ Syria One أن كمية 1.5 مليون متر مكعب يومياً تعادل نحو 21% من إجمالي الإنتاج السوري الحالي من الغاز والبالغ حوالي 7 ملايين متر مكعب يومياً. وأوضح أنه من حيث الأثر المالي، لا يُترجم هذا الرقم مباشرة إلى تخفيف فاتورة الاستيراد، لأن الغاز المُنتج محلياً يُوجّه إلى محطات التوليد الكهربائي وليس إلى الاستيراد من الخارج، إلا أن القيمة الاقتصادية الحقيقية تكمن في توفير بديل محلي عن استيراد الغاز أو المشتقات لتشغيل المحطات، وهو ما يُقدَّر بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً إذا ما قورن بتكلفة شراء الغاز المستورد أو وقود الديزل البديل. 


وأشار إلى أن الأثر الفوري على الخزينة العامة غير مباشر لكنه ملموس، متمثلاً في تخفيف الضغط على النقد الأجنبي المخصص لاستيراد الطاقة، وتحسين التغذية الكهربائية للقطاعات الإنتاجية والصناعية، وإن كان هذا التحسين سيبقى محدوداً حتى تتضاعف الكميات.


العائد الاقتصادي لبقية الآبار


كما أوضح د. عبد الرحمن لـ Syria One أن التشغيل بنسبة 40% من الطاقة الممكنة (بئران من خمسة) يُنتج 1.5 مليون متر مكعب يومياً، مشيراً إلى أن المنطق الاقتصادي هنا واضح، فاستكمال الآبار الثلاثة المتبقية قد يرفع الطاقة إلى 3.75 مليون متر مكعب يومياً، أي بزيادة 150%، وبيّن أن التكلفة الجدية لاستكمال آبار قائمة عادةً ما تكون أقل من تكلفة تطوير آبار جديدة، لكن هذا يتوقف على حالة البنية التحتية لكل بئر ومدى تضررها، وأضاف أن التحدي الحقيقي ليس في الجدوى الفنية، بل في ترتيب الأولويات الرأسمالية: هل الأولى ضخ الاستثمارات في استكمال كونيكو، أم في تأهيل حقول أخرى أو تطوير حقول جديدة بموجب العقود الأمريكية الحديثة (كونوكو فيليبس/نوفاتيرا) التي وقّعت في يونيو 2026؟ وهي العقود التي تُلزم الشركة السورية بحصة 56% من الإنتاج مقابل 44% للشريك الأجنبي، أي أن العائد الصافي للدولة يبقى الأغلبية، لكنه ليس العائد الكامل.


التحديات اللوجستية والأمنية


وفيما يتعلق بموقع الحقل شرق دير الزور، بين د.عبد الرحمن أن عملية الضخ تقف أمام ثلاثة مستويات من المخاطر، المستوى الأول هو الأمني الميداني، حيث إنه رغم إعادة تشغيل البئرين، لا تزال مناطق شرق الفرات تشهد تنافساً على النفوذ بين قوى محلية وإقليمية، ما يجعل استدامة التشغيل مرهونة بالترتيبات الأمنية غير المكتوبة أكثر من كونها مضمونة مؤسسياً، أما المستوى الثاني فهو اللوجستي، المتمثل في أن خط الأنابيب الرابط بين الحقل ومنطقة تدمر ومحطات التوليد يحتاج إلى صيانة مستمرة وحماية على طول المسار، وأي انقطاع في نقطة واحدة يُعطّل المنظومة بالكامل، في حين يأتي المستوى الثالث كعامل فني، كون إعادة تشغيل حقل بعد سنوات من التوقف تعني التعامل مع معدات متآكلة وضغوط خزان غير معروفة بدقة، وهو ما قد يُنتج توقفاً غير مخطط له.


الاستثمارات الأجنبية والضمانات المطلوبة


وأكد د. عبد الرحمن لـ Syria One أن دخول شركات مثل كونوكو فيليبس ونوفاتيرا يمثل اختراقاً نوعياً، ليس فقط بحجم الاستثمار بل بإشارته السياسية، لكونها شركات أمريكية تعمل في سوريا بعد سنوات من العقوبات، وأكد أن جذب المزيد من الاستثمارات الاستكشافية يتطلب توفير ثلاث ضمانات أساسية: إطار قانوني مستقر لعقود تقاسم الإنتاج لا يخضع لتقلبات السياسة الداخلية، وضمانات تحويل الأرباح وتصدير حصص الشركاء الأجانب دون عوائق بيروقراطية أو أمنية، بالإضافة إلى بيئة تشغيلية لا تتطلب ترتيبات أمنية خاصة لكل موقع لأن ذلك يرفع التكلفة ويُقلّص الجاذبية الاستثمارية.


أثر التطور على التضخم واستقرار العملة


وبحسب تصريحات د.عبد الرحمن فإن الأثر على التضخم والعملة تدريجي ومحدود في المدى القصير، لكون سوريا تستورد حالياً نحو 70 ألف برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات شهرياً، وتتحمل فاتورة وقود تصل إلى 3.4 مليار دولار سنوياً وفق تقديرات سابقة، وكل مليون متر مكعب من الغاز المحلي يُنتج طاقة تعادل ما يمكن شراؤه بمبالغ بالدولار وبالتالي يُقلّص الطلب على النقد الأجنبي، لكن لحظة الأثر الملموس على سعر الصرف والتضخم تحتاج إلى إنتاج يتجاوز عتبة معينة (ربما 10-12 مليون متر مكعب يومياً إضافية) حتى تُحدث فرقاً في ميزان المدفوعات، وحتى ذلك الحين، الأثر سيكون على هامش أسعار الكهرباء والوقود الصناعي أكثر من تأثيره على التضخم العام.


الخريطة الزمنية للتعافي


وأفاد د. عبد الرحمن بأن سوريا كانت تنتج بين 24 و25 مليون متر مكعب يومياً من الغاز قبل عام 2011، بينما الإنتاج الحالي يبلغ 7 ملايين، والهدف الحكومي هو الوصول إلى 15 مليون بنهاية عام 2026، وللوصول إلى مرحلة استقرار قطاع الطاقة بتغطية الطلب المحلي دون استيراد مكلف، يلزم على الأقل 20-22 مليون متر مكعب يومياً، وهو ما يعني مضاعفة الإنتاج الحالي ثلاث مرات، وبين أن إعادة تشغيل بئري كونيكو (1.5 مليون) هي خطوة أولى في مسار طويل تحمل دلالة نفسية وتشغيلية مهمة بثبات أن الحقول المتضررة قابلة للعودة بوجود كوادر محلية قادرة على التشغيل، مؤكداً أن هذا الحدث يضعنا في الربع الأول من مرحلة التعافي على الخريطة الزمنية وليس في منتصفها.


رؤية اقتصادية وتوازنات المخاطر


واختتم د.عبد الرحمن محمد تصريحه لـ Syria One بتقييم أكاديمي جامع، مؤكداً أن إعادة تشغيل بئري كونيكو ليست حدثاً بحجم ما سيُروَّج له أحياناً، لكنها حدث نوعي في بنيته أكثر من كونه كمياً في أثره، وما يميزه أن الشركة السورية للبترول تدير التشغيل بالاستعانة بشركات محلية، وهو نموذج اقتصادي أكثر استدامة من الاعتماد الكامل على المشغلين الأجانب لكونه يُبقي المعرفة والقدرة التشغيلية داخل المؤسسة الوطنية حتى لو جاء التمويل والخبرة المتقدمة من الخارج.


ولفت د. عبد الرحمن إلى مفارقة اقتصادية تستحق الانتباه، وهي أن كل متر مكعب من الغاز المحلي يُنتج اليوم يُوفّر بالدولار غداً، لكن العائد الرأسمالي على استثمارات إعادة التأهيل في هذه الظروف الأمنية يُقاس بمعايير مخاطر مرتفعة جداً، فالمستثمر الأجنبي في حقل كونيكو أو غيره لا يقارن معدل العائد المتوقع بمعدل العائد في حقل في الإمارات، بل يُضيف علاوة مخاطر سياسية وأمنية قد تصل إلى 15-20% سنوياً، وفي هذه المعادلة، ما يبدو اقتصادياً مجدياً للدولة قد لا يكون مجدياً لشريك أجنبي إلا إذا حصل على إعفاءات أو ضمانات إضافية، وهو ما تعكسه دقة نسبة 44% للشريك الأجنبي في عقد يونيو 2026، وهي نسبة مرتفعة نسبياً إذا ما قورنت بعقود مماثلة في بيئات أكثر استقراراً.


مقالات ذات صلة

هل يحمل السوريون البطاقة الذكية من جديد.. الخبير عربش لـ Syria One: المشكلة تتجاوز الأسعار إلى منظومة إدارة قطاع الطاقة

هل يحمل السوريون البطاقة الذكية من جديد.. الخبير عربش لـ Syria One: المشكلة تتجاوز الأسعار إلى منظومة إدارة قطاع الطاقة

عقب جلسة الاستماع في مجلس الشعب لوزير الطاقة محمد البشير لمناقشة أسباب الارتفاع الأخير في أسعار المشتقات النفطية، أعادت النقاشات النيابية والحكومية طرح الآليات والأدوات المتاحة لإدارة المشاكل الحاصلة في قطاع الطاقة
12
شيف شلهوب ينقل المطبخ الإيطالي إلى اللاذقية.. شلهوب لـ Syria One: أنصح كل من يريد الاستثمار في سوريا بالبدء فوراً

شيف شلهوب ينقل المطبخ الإيطالي إلى اللاذقية.. شلهوب لـ Syria One: أنصح كل من يريد الاستثمار في سوريا بالبدء فوراً

في خطوة استثمارية لافتة ومميزة، يستعد استشاري تطوير مطاعم وضيافة، الشيف اللبناني سعيد شلهوب لافتتاح مشروعه الجديد في مدينة اللاذقية، لينقل تجربة المطبخ الإيطالي التقليدي إلى الساحل السوري وتحديداً في شارع الأمريكان
17
الأسهم الأوروبية تستقر.. المستثمرون يقيمون ‏تطورات محادثات وقف الحرب

الأسهم الأوروبية تستقر.. المستثمرون يقيمون ‏تطورات محادثات وقف الحرب

استقرت الأسهم الأوروبية في مستهل تداولات اليوم الثلاثاء، مع ترقب المستثمرين ‏التطورات بشأن محادثات محتملة بين الولايات المتحدة ‌وإيران
15
كبلر: تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى سفينتين

كبلر: تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى سفينتين

أظهرت بيانات شحن أولية اليوم الثلاثاء تراجع عدد سفن السلع التي عبرت مضيق ‏هرمز أمس الإثنين إلى سفينتين
20
مباحثات اقتصادية بين سوريا والصين في بكين

مباحثات اقتصادية بين سوريا والصين في بكين

بحثت سفارة سوريا في بكين، مع قيادة المجلس ‏الصيني لتعزيز التجارة الدولية (‏CCPIT‏)، سبل تطوير التعاون الاقتصادي ‏والاستثماري بين سوريا والصين، وذلك بحضور أعضاء مجلس الأعمال ‏السوري الصيني
46
سيرياون إعلان 7