شهد قطاع الطاقة السوري فجر 18 آب/أغسطس الجاري، اختباراً جديداً لمدى جاهزيته، إثر عمل تخريبي متعمد استهدف خط تصدير الغاز الممتد من معمل غاز الجبسة بريف الحسكة، إلى معمل الفرقلس في ريف حمص، وعلى الرغم من النجاح في تحييد الآثار المباشرة واحتواء الأزمة خلال أقل من 48 ساعة، يطرح الحادث أسئلة ملحة حول كفاية الجهد الأمني المرافق لخطط النهوض الاقتصادي.
استجابة سريعة واحتواء للأضرار
وقع الاستهداف في حدود الساعة الـ4 فجراً، لينجم عنه توقف مؤقت لضخ الغاز الخام البالغ معدله نحو 1.2 مليون متر مكعب يومياً بضغط يصل إلى 35 باراً، وسارعت فرق الكوادر الفنية في الشركة السورية للبترول إلى تطبيق أدبيات السلامة للسيطرة على الموقع؛ حيث تم عزل الآبار وإغلاق صمامات الأمان وتأمين المنطقة دون تسجيل أي إصابات بشرية.
ومع إطلاق عمليات الإصلاح على مدار الساعة، أُعيد الخط إلى الخدمة الفعلية في اليوم التالي (19 آب)، وأدت فترة التوقف الممتدة بين 24 و36 ساعة إلى فقدان ضخ يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون متر مكعب من الغاز، مما انعكس مؤقتاً على تغذية بعض عنفات توليد الكهرباء، قبل أن يتم التنسيق مع الشركة السورية للكهرباء لتعويض النقص عبر المصادر والبدائل المتاحة.
الكلفة الاقتصادية: خسائر محدودة ومرونة تشغيلية
يقول الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي في حديث لـ Syria One: "رغم غياب الأرقام الرسمية الحازمة بشأن التكلفة المادية، تشير المعطيات الفنية إلى أن الأضرار المالية المباشرة تُعد محدودة نسبياً، وتقتصر التكلفة التشغيلية لإصلاح خطوط الأنابيب في الحالات المماثلة على عمليات الاستبدال واللحام والعمالة، والتي تقدر عادة بعشرات إلى مئات الآلاف من الدولارات، دون أن تتعدى ذلك لعدم تضرر محطات الضخ الرئيسية أو المعمل نفسه".
أما الخسائر غير المباشرة، فتتمثل في قيمة الغاز المهدور وما يعادله من قدرات كهربائية مفقودة تُقدر بعدة "غيغاوات-ساعة"، مما فرض ضغطاً وقتياً تمثل في الاعتماد على وقود بديل أعلى تكلفة أو زيادة ساعات التقنين، ومع ذلك، بحسب كويفي، تبقى هذه الخسائر هامشية مقارنة بحجم الإنتاج الإجمالي المخطط له.
خطة التعافي لعام 2026 أمام المحك الأمني
يشير كويفي، إلى أن هذا الخط الحيوي يجيء ضمن مساعي إعادة تشغيل البنية التحتية التي انطلقت في 24 كانون الثاني/يناير 2026 عقب استعادة السيطرة على حقول المنطقة الشرقية، وتستهدف خطة التعافي الاستراتيجية لعام 2026 رفع الإنتاج تدريجياً وجذب الشراكات الأجنبية—بما فيها عقود مع شركات أمريكية لتطوير حقول الغاز—بعد أن حقق النصف الأول من العام إنتاج نحو 14.8 مليون برميل نفط خام و1.429 مليار متر مكعب من الغاز الخام.
وأظهر الحادث، وفق كويفي، مرونة فائقة لكوادر الطاقة المحلية في التعامل مع الطوارئ، غير أنه يسلط الضوء على تحدٍ استراتيجي آخر، ويتمثل بما يلي:
التأمين المتكامل: تحول التكلفة المالية من خانة التأهيل إلى خانة الحماية والانتشار الأمني.
ثقة المستثمرين: تتطلب الاستثمارات الدولية ضمانات أمنية مستدامة تتجاوز مجرد سرعة التأهيل الفني.
استدامة التغذية: استقرار التغذية الكهربائية مرتبط تماماً بحماية خطوط الإمداد من أي استهداف متكرر
وختم الباحث كلامه بالقول: "لا يشكل حادث خط الجبسة ضربة موجعة لخطة التعافي الاستراتيجية لعام 2026، إلا أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن النجاح التقني والهندسي سيبقى عرضة للانتكاسات، ما لم يُسند بمنظومة حماية أمنية متكاملة تضمن استقرار التدفقات وحماية المكتسبات الاقتصادية".






