مع إعلان مقتل المرشد الأعلى الإيراني، دخلت طهران مرحلة غير مسبوقة من إعادة ترتيب خريطة السلطة، فالتقرير الاستقصائي الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز قبل أسبوع كشف أن النظام كان يهيئ نفسه لهذا السيناريو منذ فترة، عبر ما أطلق عليه "خطة الخلفاء الأربعة"، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل يمكن لإيران أن تخرج سالمة من هذا التحدي السياسي والعسكري في آن واحد؟
من يقود إيران الآن؟
وفق التقرير، تولى علي لاريجاني (67 عامًا)، السياسي المخضرم، إدارة شؤون البلاد بتكليف مباشر من خامنئي قبل وفاته. لاريجاني لم يحصل على المرتبة الدينية المطلوبة ليصبح المرشد، لكنه أصبح المحرك السياسي الأول، مشرفًا على الملف النووي، منسقًا مع الحلفاء، وموضع استشارة الرئيس بيزشكيان في الملفات الحساسة. والسؤال هل يمكن لسياسي "غير ديني" أن يمسك بخيوط الحكم وسط أزمة؟ وفق الخطة، نعم، طالما بقيت السلطة الدينية العليا ممثلة بالمجلس الضيق للبدلاء، وهو ما يضمن استمرار السيطرة السياسية دون فراغ مفاجئ.
خطة الخلفاء الأربعة تسلسل محكم
خوفًا من سيناريو “قطع الرأس”، كان أصدر خامنئي قبل مقتله بأسبوع توجيهات غير مسبوقة تضمنت أربع مستويات من البدلاء لكل منصب قيادي، لضمان استمرارية العمل إذا انقطع الاتصال بالمرشد أو غاب، دائرة ضيقة لاتخاذ القرار في الأزمات، مما يحمي النظام من الانهيار الفوري. وثلاثة مرشحين سريين لخلافة المرشد، مع استبعاد لاريجاني لعدم بلوغه المرتبة الدينية، لكنه يبقى قلب الممارسة السياسية. والتساؤل هنا هل يمكن لهذا التسلسل أن يمنع فراغاً سياسياً؟ التحليلات تقول إن النظام راهن على "مرونة القيادة" مع استمرار لاريجاني كأداة تنسيق، لكن التجربة المستقبلية ستكشف قدرة هذا النموذج على الصمود في مواجهة ضغوط ميدانية ودبلوماسية هائلة.
فنزويلا كنموذج للتفاوض
في مفاجأة مثيرة، درست القيادة الإيرانية ما وصفه التقرير بـ نموذج ديلسي، في إشارة إلى نائبة رئيس فنزويلا السابقة التي نجحت في التفاوض مع إدارة ترامب، ويبدو أن إيران تبحث عن صيغ تفاوضية مرنة يمكن أن تحمي النظام داخليًا وخارجيًا، خصوصًا في ظل الحصار الدولي والتطورات العسكرية والهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
التوازن بين السياسة والميدان
على الأرض، لم يكتف النظام بإعادة ترتيب القيادة، بل أعد خطة التحشيد العسكري، ونشر منصات صواريخ باليستية على الحدود العراقية وعلى شواطئ الخليج، وأعد خطة لنشر كتائب الباسيج في المدن لمنع أي انتفاضة داخلية بالتزامن مع الضربات الخارجية.
خامنئي قبل وفاته وفق التقرير، راهن على مقاومة شديدة تصل إلى ضرب السفن الأمريكية وتوجيه ضربة تجعل أقوى جيش في العالم عاجزًا عن النهوض، فهل تنجح خطة الخلفاء الأربعة؟ وفق محللين قد تنجح في تأمين استمرارية السلطة السياسية على المدى القصير، بفضل التسلسل المحكم والقيادة العملية للاريجاني، لكنها لا تضمن استقراراً داخلياً أو صمودًا أمام الضغوط العسكرية الخارجية، خصوصًا إذا تصاعدت المواجهة في الخليج والعراق.
إيران اليوم تقف بين السياسة المركّبة والضغط العسكري الشديد، مع خطة قيادية محكمة لكنها اختبار حقيقي للمرونة السياسية، ويبدو أن النظام راهن على الاستعداد لكل سيناريو، مستلهماً نماذج دولية مثل فنزويلا للتفاوض، ومعتمدًا على التحكم العسكري والأمني داخلياً، لكن يبقى السؤال الأكبر هل يمكن لهذه الخطة أن تصمد أمام التحديات المتزامنة على كل الجبهات؟






