لم يعد التحدي في سوق النفط السورية، مقتصراً على تأمين المواد فحسب، بل يمتد إلى محاربة الارتفاع في الأسعار ورداءة الجودة، ومع تلاحق أزمات التوريد، يطرح البعض فكرة الاستعانة بشركات نفط عالمية وإقليمية مؤهلة كخطوة نحو سوق مستقر وشفاف، بشرط وجود رقابة حازمة وعقود تضمن الجودة، فهل يكون فتح باب المنافسة وتنويع المصادر هو الحل الأمثل لخفض الأسعار وتحسين المنتج؟.
الخبير الاقتصادي، إيهاب اسمندر، يؤكد في تصريح لـ Syria One، أن مقترح استيراد البنزين إلى سوريا من خلال شركات عالمية، من الممكن اعتباره أحد الحلول لمشكلة البنزين الكمية والنوعية في سوريا.
ويقول: "المقترح مقبول من حيث المبدأ لكنه ليس حل كامل للمشكلة، إذ يحتاج توفير شروط معينة، ويحمل في طياته مخاطر كبيرة إذا فتح السوق دون ضوابط صارمة"، مضيفاً: "أزمة البنزين المتكررة في سوريا نجمت عن عوامل عديدة ومنها: الفجوة بين الإنتاج والطلب، حيث تحتاج سوريا لنحو 300 ألف برميل نفط يومياً، بينما لا يتجاوز إنتاجها المحلي 100 ألف برميل، مع اعتماد يتجاوز 60% على الاستيراد لتأمين المازوت والبنزين، أيضاً تعاني المصافي السورية من تدهور، ويتم خلال هذه الفترة إجراء عمرة لمصفاة بانياس مما أدى لتوقفها عن العمل، مما زاد الحاجة للاستيراد".
ويتابع: "وحتى مع الإعلان عن رفع العقوبات، لا تزال القيود المصرفية تعرقل التجارة الدولية لسوريا، مما يجعل الحصول على النقد الأجنبي والاعتمادات المستندية تحدٍ كبير، وتزامن ارتفاع أسعار البنزين في سوريا مع ظهور بنزين مغشوش في السوق مما تسبب بأعطال واسعة في المركبات، وأضعف الثقة في الجهات المسؤولة عن توفير البنزين".
وعن تقييم مقترح استيراد البنزين، يقول اسمندر: "يمكن أن يساهم هذا المقترح بحل أزمة البنزين في سوريا لكن بشروط، إذ ينبغي أن يكون هذا الحل من استراتيجية أوسع لإدارة موضوع المحروقات. المقترح يتجاوز الصعوبات والقيود المصرفية على التعامل مع سوريا، فالشركات العالمية قادرة على تخطى مشاكل الاعتمادات المستندية وتمويل التجارة، كما أن التعاقد مع موردين عالميين يخضعون لمعايير صارمة يقلل من خطر وصول شحنات مغشوشة أو رديئة النوعي".
ويقلل هذا المقترح الاعتماد على مورد واحد ويحمي من تقلبات العلاقات مع الدول، بحسب اسمندر، ليشير بنفس الوقت إلى أن هناك تحديات قد تعيق نجاح هذا المقترح ومنها، أنه لن يحل مشكلة تدهور المصافي المحلية، فالاستيراد سيبقى ضرورة، فضلاً عن أن تكلفة الاستيراد النهائية عبر هذا المقترح قد تكون أعلى بسبب علاوة المخاطرة التي يفرضها البائعون على سوريا.
وبالنسبة لشروط نجاح هذا الحل، يذكر اسمندر، أن هناك عدة شروط لنجاح هذا المقترح ومنها:
تهيئة القنوات المالية والمصرفية، وهو الشرط الأهم، فالأمر يتطلب إعادة بناء علاقات مع مصارف مراسلة دولية لتأمين الاعتمادات المستندية الضرورية لتمويل الصفقات.
إضافة إلى استقرار أمني أكبر في مختلف المناطق السورية، فالشركات العالمية تحتاج لضمانات بحماية استثماراتها وعملياتها في سوريا.
وإصلاحات مؤسسية، يجب أن تكون هناك مؤسسة وطنية قادرة على إدارة المشتريات الاستراتيجية والتفاوض وتنفيذ العقود بكفاءة.
كذلك وجود آلية تمويل مستدامة، إذ يجب تأمين مصادر للنقد الأجنبي لتغطية فاتورة الاستيراد، لأن الاعتماد على الاقتراض قد يرحل الأزمة للمستقبل.
وختم الخبير الاقتصادي كلامه محذراً من عواقب فتح السوق بشكل عشوائي دون ضوابط صارمة، مؤكداً أن السلبيات قد تفوق الفوائد المتوقعة، حيث يبرز خطر انتشار البنزين المغشوش نتيجة غياب الرقابة الفعّالة وفسح المجال أمام تجار السوق السوداء لاستيراد الشحنات دون متابعة، بالإضافة إلى تآكل احتياطي العملة الصعبة جراء المنافسة غير المنظمة، مما يهدد باستنزاف النقد الأجنبي السريع وتدهور سعر صرف الليرة السورية وزيادة معدلات التضخم، كما ينعكس هذا الانفتاح غير المدروس سلباً على البنية التحتية المحلية عبر إلحاق الضرر بمصافي التكرير الوطنية وتعميق الارتباط الدائم بالخارج، وصولاً إلى مخاطر أمنية محتملة تتمثل في تشجيع عمليات التهريب وتمويل الأنشطة غير المشروعة، الأمر الذي يهدد استقرار السوق بدلاً من تنظيمه.






