تُشكّل عودة الخبرات الطبية والأكاديمية إلى سوريا خطوة أساسية لرفد القطاعين الصحي والتعليمي بكفاءات نوعية، غير أن تفعيل هذه الطاقات في الميدان، يعترضه واقع إداري معقد يرتبط بآليات التكافؤ العلمي، واشتراطات الترخيص، وإلزامية "خدمة الريف".
الدكتور محمد ترك (دكتوراه في تقويم الأسنان) يستعرض لـ Syria One تجربته قائلاً: "مغادرتي لسوريا كانت بسبب ظروف الاعتقال والنشاط الإغاثي، لكنني واصلت مسيرتي الأكاديمية حتى حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة مصنفة عالمياً، ونشرت أبحاثاً دولية محكمة، إلى جانب ممارستي الاختصاص في عيادتي الخاصة بإسطنبول منذ عام 2017، وعلاجي لأكثر من 600 حالة تقويمية.
ويتابع: "فور عودتي أواخر عام 2025، بادرت للتسجيل في النقابة، إلا أني صُدمت بإلزامي بخدمة الريف وبقرار إخضاعي لامتحان نظري وعملي جديد للحصول على ترخيص المزاولة بدمشق"، وهو الآن متوقف عن العمل منذ تشرين الأول 2025 بانتظار البتّ باعتراضه الرسمي.
عقبات التوثيق وشروط التشريعات الخارجية
تكشف المعاملات الإدارية عن عقبات قانونية يرتبط بعضها بالتشريعات الخارجية. إذ يوضح طبيب فضل عدم ذكر اسمه (حاصل على درجة الدكتوراه) لـ Syria One أنه وعند مراجعته البورد السوري ووزارة الصحة لمعادلة شهادته، طُولب بتقديم "ترخيص مزاولة المهنة من تركيا".
إلّا أن التشريعات التركية تحظر أصلاً منح ترخيص المزاولة للأطباء الأجانب، مما يجعل استيفاء هذا الشرط غير ممكن عملياً. وعند مراجعة الجهات المعنية، طُلب منه تقديم طلب استثناء شخصي، رغم أن المانع يتعلق بالقانون العام هناك وليس بظرف خاص، ليظل ملفه قيد الانتظار دون حسم.
ولا تتوقف التعقيدات عند الترخيص الطبي، بل تمتد إلى الشروط الأكاديمية المساندة التي قد تتسبب في ضياع الفرص التشغيلية؛ فمثلاً تقدم الدكتور أحمد (اسم مستعار) (دكتوراه في طب الأسنان) للتدريس في الجامعات السورية فصُدم باشتراط تحصيله لشهادة قيادة الحاسوب (ICDL) رغم تحصيله أعلى درجة أكاديمية في اختصاصه، وتعذر عليه إجراء امتحانات الرخصة المعلوماتية في حينها بسبب أعمال التطوير الإداري في الجمعية المعلوماتية، مما أدى إلى تأخره في تقديم الوثيقة، وخسارته لفرصة العمل الأكاديمي.
تسوية وإعفاء
من جانبه، أوضح نقيب أطباء أسنان دمشق، الدكتور محمد حمزة في تصريح لـ Syria One، أنه تقرر في الثامن عشر من الشهر الجاري إطلاق "مبادرة تسوية الأوضاع المهنية وإعفاء الأطباء المتضررين من خدمة الريف"، تيسيراً للأمور وتخفيفاً لمعاناة أطباء الأسنان الذين عانوا من التهجير القسري أو الاعتقال واضطروا لممارسة المهنة دون تراخيص رسمية ودائمة في الشمال أو تركيا أو ألمانيا.
وأكد د. حمزة "أن المبادرة تمنح هؤلاء الأطباء تراخيص مزاولة المهنة الدائمة بعد إعفائهم آلياً من شرط "خدمة الريف" الذي كان يشكل عائقاً رئيسياً، شريطة تقديم أوراق وثبوتيات موثوقة من منظمات إنسانية أو مديريات صحية تثبت ممارستهم للمهنة في مناطق التهجير لفترة لا تقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات؛ حيث تعتمدها النقابة ومن ثم تصادق عليها وزارة الصحة".
وفي المقابل، أشار النقيب إلى أن المبادرة لا تشمل من سافر طواعية إلى دول مثل أمريكا أو فرنسا، إذ يتوجب عليهم خوض الامتحانات المقررة ومعادلة شهاداتهم وفق القوانين واللوائح النافذة.






