شهدت الساحة السياسية والعسكرية في المنطقة تطوراً بارزاً مع الكشف عن مشاريع استراتيجية تهدف إلى تزويد سوريا بأحدث أنظمة الاتصالات المرئية وأنظمة القيادة والسيطرة (C2) لربط القيادات العسكرية بالميدان وغرف العمليات، وذلك بدعم وتمويل من تركيا والسعودية.
يأتي هذا التطور التقني والعسكري في إطار اتفاقيات التنسيق الدفاعي الحديثة بين الترويكا الإقليمية (تركيا، السعودية، وباكستان)، ليشكل نقطة تحول مفصلية في مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية وتعزيز استقرار المنطقة.
وفي تصريحات خاصة لمنصة Syria One، قدّم الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، قراءة تحليلية شاملة لأبعاد وتداعيات هذا المشروع، مؤكداً أن هذه الخطوة تأتي كترجمة عملية للتنسيق رفيع المستوى بين دول الحلف الدفاعي الجديد وحلفائها الاستراتيجيين في المنطقة.
تنسيق ثلاثي واستراتيجية لحماية أمن المنطقة
أوضح علوان لـ Syria One أنه عقب إعلان اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، بات من الطبيعي أن تتجه هذه الدول نحو رفع مستوى التنسيق الأمني والعسكري مع حلفائها الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم سوريا.
وأشار إلى أن سوريا عقب الانتقال السياسي تحولت إلى حليف رئيسي لكل من أنقرة والرياض، كما لفت إلى أن موقعها الجيوسياسي يجعل من دعم استقرارها وقدرتها على حماية حدودها أمراً بالغ الأهمية للحلف الثلاثي الجديد لحفظ أمن المنطقة بأكملها.
تطويق محاولات الفوضى ومنع عودة التهديدات
شدّد الباحث علوان على أن تزويد سوريا بالمنظومات الدفاعية ليس مجرد طموح، بل حماية لفرصة استمرار المشهد الجديد وإرساء الاستقرار الإقليمي، حيث أشار إلى أن المنطقة كانت تعج بالفوضى التي غذّتها إيران سابقاً، ومع سقوط نظام الأسد فقدت طهران هذه الساحة المحورية، لكنها حاولت وستحاول منع استقرار سوريا مجدداً، خصوصاً مع تسارع الحرب الأمريكية عليها.
وحذّر علوان عبر Syria One من أن نجاح إيران في العبث بالأمن السوري يعني ضياع فرصة الاستقرار الإقليمي وعودة تهديدات الميليشيات والمنظمات العابرة للحدود، إلى جانب أخطار تهريب المخدرات والإرهاب والاتجار بالبشر.
عقيدة قتالية حديثة وانتقال نحو السلاح الغربي
وفي حديثه عن هيكلية المؤسسة العسكرية، أشار علوان إلى أن سوريا الجديدة لم تتغير فيها السلطة فحسب، بل شهدت تحولاً جذرياً في السياسات الداخلية، والتموضع الإقليمي والدولي، والعقيدة القتالية، وبنية الأجهزة الأمنية والعسكرية، كما أكد أن بناء الجيش الجديد يقوم على مبدأ الاحتراف لا الخدمة الإلزامية، ورغم الاعتماد الحالي على بقايا السلاح الروسي، فإن الاندماج مع السلاح والعقيدة الغربية بات مساراً حتمياً في ظل التحالف مع دول الخليج وتركيا، مضيفاً أن تركيا تمتلك قدرة عالية على دعم هذا التوجه لبناء مؤسسة أمنية وعسكرية تكون شريكة حقيقية في حماية أمن المنطقة، مما يستوجب إدخال أدوات وأنظمة تقنية وتكنولوجية متطورة.
تحول خريطة القوى الفاعلة وتعزيز السيادة الوطنية
بيّن علوان لـ Syria One الفرق الجوهري بين المشهد اليوم وما قبل سقوط النظام السابق، حيث كانت هناك خمسة جيوش أجنبية تفرض إرادتها وتسلب السيادة الوطنية، أما اليوم فإن الأطراف الفاعلة هي الولايات المتحدة وتركيا والسعودية ودول الخليج، وهم حلفاء للحكومة السورية ولا يفرضون شروطاً ميدانية، بينما خرجت معظم القوى الأجنبية أو أعادت تموضع قواعدها بما يخدم السيادة السورية، وأكد أن خروج الطرف الإيراني جعل موقفه من الشراكات الجديدة غير ذي قيمة، مشيراً إلى أن انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش جعلها بشكل رسمي حليفاً عسكرياً لوواشنطن وحلفائها في المنطقة.
طبيعة المنظومة التقنية والتحدي الإسرائيلي
ختاماً، أكد الباحث وائل علوان أن المشروع التقني الهادف لإعادة هيكلة القوة العسكرية في سوريا هو مشروع دفاعي بالدرجة الأولى لتأمين الداخل والحدود، دون أن يشكل أي تهديد لدول الجوار أو إسرائيل كي لا تُمنح الأخيرة ذرائع للاعتداء، مشيراً إلى أن التحديات الفنية كالتجهيزات ونقص الخبرات يمكن تجاوزها بالوقت والجهد، لكن التحدي الأبرز يكمن في ردة الفعل والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وهو ما يتطلب موقفاً أمريكياً ودولياً حازماً لمنع إسرائيل من تقويض جهود الشركاء في إرساء الاستقرار، مشيراً إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية تُسهم فعلياً -بقصد أو بدون قصد- في التخادم مع المخططات الإيرانية لضرب استقرار سوريا.






