لم تكن الجسور في محافظة الرقة مجرد منشآت إسمنتية لعبور المركبات، بل كانت ولا تزال عصباً استراتيجياَ للاقتصاد والحياة اليومية، ومؤشراً حاسماً على وحدة الجغرافيا السورية.
فبين ضفتي نهر الفرات، تشكّلت لعقود شبكة معقدة من الطرق والجسور ربطت الريف بالمدينة، والشرق بالغرب، قبل أن تتحول هذه البنية الحيوية إلى هدف مباشر في واحدة من أكثر مراحل الصراع السوري تدميراً.
الجسور كرافعة اقتصادية قبل الحرب
قبل عام 2011، كانت محافظة الرقة تضم نحو 134 جسراً وعبّارة، شكّلت مع شبكة الطرق المركزية العمود الفقري للنقل والتجارة والخدمات، هذه الجسور لم تكن فقط معابر محلية، بل نقاط ربط استراتيجية بين المحافظات السورية، وأسهمت في نقل المنتجات الزراعية من أرياف الرقة الخصبة إلى الأسواق الداخلية، وربطت طرق التجارة بين حلب، دير الزور، الحسكة، والبادية السورية.
وكانت جسور مثل جسر الرشيد (الجديد) وجسر المنصور (القديم) تمثل شرايين رئيسية لحركة الأفراد والبضائع، وتختصر المسافات والتكاليف، ما جعلها عنصرًا محوريًا في استقرار الاقتصاد المحلي وديمومته.
حين تحولت الجسور إلى أهداف عسكرية
مع تصاعد النزاع، تحوّلت شبكة الجسور إلى أهداف عسكرية مباشرة. وخلال المعارك ضد تنظيم “داعش”، والغارات الجوية التي رافقتها، تعرضت عشرات الجسور للتدمير الكلي أو الجزئي، وتشير تقديرات موثقة إلى أن أكثر من 66 جسراً وعبّارة خرجت عن الخدمة، بما في ذلك الجسور الرئيسية على نهر الفرات.
وكان تدمير جسر الرشيد عام 2017 محطة مفصلية، إذ أدى إلى شلل شبه كامل في حركة العبور بين ضفتي النهر، وفرض على السكان الاعتماد على وسائل بديلة بدائية، كالعَبّارات النهرية، غير القادرة على تلبية الاحتياجات اليومية أو دعم النشاط الاقتصادي.
انعكس انهيار الجسور بشكل مباشر على حياة السكان، حيث ارتفعت كلفة النقل، وتعطلت سلاسل التوريد، وتراجعت قدرة المزارعين على تسويق محاصيلهم، كما تأثرت الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وبات عبور الفرات رحلة محفوفة بالمخاطر، لا سيما في فصل الشتاء أو خلال الفيضانات.
إعادة الإعمار أولوية
عاد ملف الجسور إلى صدارة الأولويات الحكومية، وخلال جولات رسمية في محافظة الرقة، أكدت وزارة النقل أن إعادة الربط بين ضفتي الفرات تمثل أولوية وطنية، لما لها من أثر مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتعمل الجهات المختصة على مسارين متوازيين، حلول إسعافية مؤقتة لتأمين عبور محدود للحالات الإنسانية والآليات الخفيفة، وخطط دائمة لإعادة التأهيل الشامل تعتمد دراسات فنية وهندسية محدثة، ووضعت الحكومة خططًا لصيانة المحاور الرئيسية في المحافظة، مع إعطاء الأولوية لجسور حيوية على طرق الرقة – معدان، والرقة – دير الزور، إضافة إلى إعداد دراسة متكاملة لإعادة تأهيل جسر الرشيد، وتقييم فني شامل لجسر المنصور تمهيدًا لإعادته إلى الخدمة.
وتؤكد الجهات المعنية أن استعادة الجسور لا تتعلق فقط بإعادة حركة المرور، بل بإعادة وصل الاقتصاد المحلي بالوطني، وتعزيز قدرة الرقة على استعادة دورها الزراعي والتجاري.
الجسور كعنوان لوحدة الأرض
أبعد من بعدها الخدمي، تحمل جسور الرقة رمزية سياسية واضحة، بوصفها أدوات لربط الجغرافيا السورية وإعادة تكريس وحدة الأراضي. فإعادة بنائها تعني إنهاء آثار التقسيم الفعلي الذي فرضته الحرب، والانتقال من إدارة الأزمة إلى مرحلة التعافي.
في الرقة، تبدو الجسور اليوم أكثر من مشاريع بنية تحتية؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحويل الدمار إلى فرصة، وربط ما قطعته الحرب، إسمنتًا واقتصادًا وجغرافيا.






