أرخت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بظلالها الثقيلة على الشرق الأوسط والعالم، لتحتل القضايا الأمنية والاقتصادية واجهة المباحثات بين قادة دول المنطقة، فيما همست قنوات دبلوماسية أخرى عن استعدادات لإعادة محتملة لنار الحرب.
دمشق التي نأت بنفسها عن هذه الحرب تجد التوقيت المناسب لإعادة استكمال المسارات التي بدأتها مع عمقها العربي، خاصة دول الخليج التي تعتبر سوريا المستقرة ضمن محيط مجالها الحيوي.
الرئيس السوري أحمد الشرع، وصل اليوم الأربعاء إلى الدوحة للقاء الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر في ثاني محطات جولته الخليجية بعد لقاء جمعه أمس بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مدينة جدة السعودية في مستهل الجولة التي لم يعلن ما هي الدول المشمولة فيها.
الإعلام الرسمي السوري لم يخرج عن المألوف بإعلان هدف هذه الزيارة باعتبارها طبيعية وفي إطار تطوير العلاقات الثنائية، ومناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بحسب ما ذكرت "الرئاسة السورية".
هناك من نحدث عن تحالف رباعي تبحث دمشق عن حيز فيه وهناك من ذهب باتجاه تحقيق توازن نفوذ بين لاعبين كثر على الساحة السورية أبرزهم أنقرة وتل أبيب وطهران والرياض ذات الثقل العربي والإسلامي.
وفي هذا السياق يقول الباحث والمحلل السياسي علاء الخطيب لموقع Syria One إن سوريا شهدت لعقود تموضعاً إقليمياً ودولياً بالغ الكلفة، حين ارتبطت استراتيجياً بإيران منذ عهد حافظ الأسد، وبمحور يدور في فلك الاتحاد السوفييتي، ومع تحولات النظام الدولي بعد الحرب الباردة، وصعود الدور الإيراني كقوة إقليمية توسعية، تحولت سوريا إلى موقع متقدم في الاستراتيجية الإيرانية، يجمع بين الدفاع والهجوم، وإلى نقطة ارتكاز لروسيا خارج حدودها.
ويضيف الباحث الخطيب بالقول إنه بعد اندلاع الثورة السورية، تكرّس هذا التموضع عبر اصطفاف واضح، محور داعم للنظام ضم إيران وروسيا والصين، مقابل محور آخر منقسم ومتردد ضم دول الخليج وتركيا والغرب، حيث افتقد هذا الأخير لرؤية موحدة أو إرادة حاسمة لإسقاط النظام، ما أتاح للمحور الأول تثبيت نفوذه، وهكذا، تحولت سوريا لسنوات إلى ساحة صراع مفتوحة بين محاور إقليمية متنافسة، أكثر من كونها دولة ذات قرار مستقل.
ويرى الباحث أنه مع تراجع التأثير الإيراني والروسي بفعل التحولات الأخيرة، تبرز لحظة نادرة يمكن لسوريا أن تعيد فيها تعريف موقعها، هذه اللحظة لا تقوم على استبدال محور بآخر، بل على تجاوز منطق المحاور نفسه، عبر تحويل سوريا من ساحة صراع إلى نقطة تقاطع مصالح.
ويشير إلى أنه في هذا السياق، يصبح التفاهم بين دول الخليج وتركيا عاملاً حاسماً، بعد تصاعد ازمة الحرب الإيرانية، كضرورة بقاء وأمن قومي لهذه الدول، لذلك فإن فرص أن تتجاوز دول الخليج وتركيا خلافاتهم القديمة والتوجه لتنسيق إقليمي أصبحت واقعية وانتقلت من مرحلة الشعارات الى مرحلة الحاجة المشتركة للجميع.
ويتابع الباحث الخطيب: " من ناحية ثانية، أصبح أكثر وضوحاً بالنسبة لأميركا ولدول الإقليم أهمية التحالف فيما بينهم، فالجمع بين هذين البعدين يمكن أن يملأ الفراغ الذي كانت تستفيد منه إيران، ويمنع إعادة إنتاجه، أما استمرار الانقسام، فسيعيد فتح الباب أمام طهران أو غيرها لاستثمار الفوضى، وبناءً على ذلك، فإن قدرة سوريا على أن تكون "رابحة" في هذه المرحلة لا تتوقف فقط على توازنات الخارج، بل على قدرتها على استثمار هذا التقاطع الإقليمي والدولي لصالح استقرار سياسي حقيقي يعيد للدولة وظيفتها الأساسية".
ورغم أنه لا يوجد أي تفاصيل عن الملفات التي ستناقش خلال جولة الرئيس السوري إلا أنه من المرجح أن تشمل آخر التداعيات الجارية في المنطقة ولا سيما أن السعودية تعمل على توثيق علاقاتها مع تركيا وباكستان ومصر في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.






