تعود قضية الأكراد المجرَّدين من الجنسية السورية إلى الواجهة من جديد، بعد مرور أكثر من ستين عاماً على الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، الذي حرم عشرات الآلاف من الكرد من أبسط حقوق المواطنة، ورغم محاولات لمعالجة الملف، ما يزال كثيرون يرون أن الضرر التاريخي لم يُعالَج بعد، وأن استعادة الحقوق تتطلّب خطواتٍ قانونية وسياسية شاملة تُنهي حالة "المواطنة المعلّقة"
الإحصاء الاستثنائي.. نقطة التحوّل التي جرّدت آلاف الأكراد من هويتهم
تُجمع المصادر الحقوقية على أن الإحصاء الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962 بذريعة التحقق من الوجود غير الشرعي على الحدود الشمالية، شكّل لحظةً فارقةً في تاريخ الأكراد السوريين، إذ جرى خلاله تجريد أكثر من 300 ألف كردي من الجنسية وفق تقديرات منظمات دولية، ليظهر تصنيفان جديدان: أجانب الحسكة الذي يحملون بطاقة حمراء، ومكتومو القيد أي ممن لا وجود قانونياً لهم في السجلات الرسمية، وتضاعف هذا العدد ليصل إلى مئات الآلاف، بسبب انتقال حالة انعدام الجنسية عبر الأجيال المتعاقبة.
هذا الإجراء لم يكن إدارياً فحسب، بل جاء - بحسب محللين - ضمن سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل البنية السكانية في المنطقة، ما انعكس على حياة الأكراد لعقود طويلة
حرمانٌ ممتد.. حقوق أساسية غابت عن عشرات الآلاف
أدّى التجريد من الجنسية إلى حرمان الأكراد من حقوق أساسية أبرزها حقّ التملّك والعمل في القطاع العام، وحقّ السفر والحصول على جوازات، تسجيل الزواج والمواليد، إضافة لحق المشاركة السياسية والانتخابية وقد خلّفت هذه القيود آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة، ما تزال تتردد حتى اليوم في مناطق الجزيرة السورية
محاولات متأخرة لمعالجة الملف.. لكنها منقوصة!
في عام 2011 صدر مرسوم عن النظام السابق يمنح الجنسية لفئة من أجانب الحسكة فقط، دون مكتومي القيد في خطوةٍ اعتُبرت محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وليس لحل جذر المشكلة، حيث أكد جزء كبير من الأكراد أن المرسوم لم يشمل جميع المتضررين، كما لم يُنهِ آثار التمييز المتراكمة عبر عقود وتشير تقارير سياسية كردية إلى أن التجنيس وحده لم يكن كافياً، لأن الضرر الذي خلّفه الإقصاء لعشرات السنين لا يمكن محوه دون تعويضات قانونية وإدارية واضحة، وإلغاء كل آثار الإحصاء الاستثنائي بشكل كامل
المرسوم الجديد… خطوة مفصلية في مسار طويل
أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي يُعدّ - وفق مراقبين - الأكثر شمولاً في تاريخ التشريعات السورية المتعلقة بالأكراد، وينص المرسوم على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، والاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية الكردية، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية، بمن فيهم مكتومو القيد، إضافة لإلغاء جميع الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بإحصاء 1962
ويؤكد المرسوم السماح بتدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة، والتزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق الأكراد في إحياء تراثهم وتطوير لغتهم الأم ضمن إطار السيادة الوطنية
تفاعل كردي وإقليمي.. ترحيبٌ مشروط ودعوات للتثبيت الدستوري
لاقى المرسوم ردود فعل واسعة، إذ وصفه رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني بأنه خطوة سياسية وقانونية مهمة وصحيحة، داعياً إلى تحويله إلى قوانين نافذة وتثبيته في الدستور السوري القادم لضمان استدامته، كما اعتبر بارزاني المرسوم خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، مشدداً على ضرورة البناء عليه لوضع أسس قانونية ودستورية تضمن حقوق الشعب الكردي وتحقق الاستقرار
في المقابل، رأت "الإدارة الذاتية" في شمال سوريا أن الحقوق لا تُصان بالمراسيم المؤقتة، وأن الضمان الحقيقي يكمن في دستور ديمقراطي تعددي يضمن الشراكة الحقيقية بين جميع السوريين
بين الأمل والحذر.. هل يطوي المرسوم صفحة ستة عقود؟
يرى محللون أن المرسوم يشكّل تحوّلاً نوعياً في الخطاب الرسمي تجاه الأكراد، خصوصاً أنه يتضمن إلغاءً صريحاً لنتائج الإحصاء الاستثنائي، وهو مطلبٌ تاريخي طالما رفعته القوى الكردية، فيما يحذر آخرون من أن نجاح الخطوة مرتبط بمدى تطبيقها على الأرض، وبقدرتها على معالجة الآثار المتراكمة لعقودٍ من التمييز، إضافةً إلى ضرورة إدراجها ضمن إطار دستوري دائم يضمن عدم التراجع عنها مستقبلاً






