سياسي

سد تشرين في معادلة شمال سوريا.. عقدة الجغرافيا والسيادة

59
سد تشرين في معادلة شمال سوريا.. عقدة الجغرافيا والسيادة

يمثل سد تشرين أكثر من مجرد منشأة مائية أو مصدر للطاقة، إذ يتحول اليوم إلى محور صراع تتقاطع عنده اعتبارات السيادة، والأمن، والاقتصاد، والجغرافيا السياسية في شمال سوريا، فاستعادة الحكومة السورية السيطرة عليه لا تعني فقط استرجاع مورد حيوي، بل إعادة الإمساك بعقدة استراتيجية تتحكم بمفاصل الربط بين المحافظات والطرق الحيوية شرق نهر الفرات وغربه.


الأهمية الاستراتيجية للموقع


يقع سد تشرين على نهر الفرات، شمال شرق محافظة حلب، في نقطة جغرافية حساسة تربط بين ريف حلب الشرقي ومحافظة الرقة، وتشكل بوابة عبور طبيعية بين مناطق الشمال الغربي والشمال الشرقي السوري، هذا الموقع يمنح السد قيمة مضاعفة، إذ لا يقتصر دوره على توليد الكهرباء وتنظيم المياه، بل يتجاوز ذلك ليكون عنصر تحكم بالحركة الجغرافية والاقتصادية والعسكرية.


ويمثل السد نقطة ارتكاز قريبة من محاور حيوية مثل دير حافر، ومنبج، والطبقة، ما يجعله صلة وصل بين ثلاث محافظات رئيسية: حلب، الرقة، ودير الزور، ويمنح من يسيطر عليه قدرة مباشرة على التأثير في خطوط التواصل والإمداد بين هذه المناطق.


الربط بين الطرق والمحافظات


يؤدي سد تشرين دورًا محوريًا في ربط شبكة الطرق الممتدة بين شرق الفرات وغربه، ويقع بالقرب من مسارات نقل استراتيجية تُستخدم لنقل البضائع، والمحاصيل الزراعية، والطاقة. كما يشكل معبرًا غير مباشر بين الطريق الدولي الواصل من حلب باتجاه الرقة ودير الزور، وبين طرق فرعية تخدم الريف الشرقي والشمالي.


هذا الربط يجعل السد عامل استقرار أو توتر، بحسب الجهة المسيطرة عليه، إذ إن أي اضطراب في محيطه ينعكس مباشرة على حركة التجارة الداخلية، وإمدادات الوقود، وسلاسل التوريد الزراعي.


البعد الاقتصادي والخدمي


اقتصاديًا، يُعد سد تشرين أحد الأعمدة الأساسية لمنظومة الكهرباء في شمال سوريا، حيث يساهم في تغذية مساحات واسعة من ريف حلب والرقة بالطاقة الكهربائية، فضلًا عن دوره في ري آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية. وتكمن أهميته في كونه منشأة تشغيلية قابلة لإعادة الدمج السريع ضمن شبكة الدولة، مقارنة بمنشآت أخرى تضررت خلال سنوات الصراع، لذلك إن استقرار تشغيل السد ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي، واستدامة الزراعة، وتحسين الواقع الخدمي، ما يمنحه بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا يتجاوز الحسابات العسكرية.


الانعكاسات السياسية والعسكرية


سياسيًا، تمثل السيطرة على سد تشرين ضربة نوعية لموقع قوات سوريا الديمقراطية، لما يحمله من قيمة تفاوضية ورمزية، خاصة في ظل تراجع نفوذها غرب الفرات، كما يمنح الحكومة السورية ورقة قوة في أي مسار تفاوضي مقبل، سواء داخلي أو إقليمي، أما عسكريًا، يشكل السد نقطة تحكم ميدانية حساسة، وأي مواجهة حوله تنطوي على مخاطر كبيرة، نظرًا لما قد يسببه استهدافه من كوارث إنسانية وبيئية واسعة النطاق.


في المحصلة، لا يمكن فصل سد تشرين عن معادلة السيادة وإعادة تثبيت الدولة في شمال سوريا. فهو ليس مجرد منشأة خدمية، بل عقدة استراتيجية تختصر صراع الجغرافيا والنفوذ والموارد، لذلك فإن كيفية حسم ملفه، سواء عبر تسوية سياسية أو تصعيد عسكري، ستشكل اختباراً حاسماً لاتجاه المرحلة المقبلة، وحدود الانتقال من إدارة الصراع إلى إعادة بناء الدولة.



مقالات ذات صلة

أسعار الذهب والدولار في سوريا

أسعار الذهب والدولار في سوريا 17 يناير 2026

شهدت أسعار الذهب والدولار استقرارا خلال تعاملات اليوم 17 يناير في سوريا
292
الطقس في سوريا

الطقس في سوريا 17 يناير 2026.. ماذا توقعت الأرصاد الجوية؟

توقعت الأرصاد الجوية، أن يشهد الطقس في سوريا، حالة عدم استقرار اليوم وغداً الأحد لتكون الفرص سانحة لهطولات مطرية متفرقة، مع استمرار الأجواء الباردة على كافة المناطق.
36
الكرد في سوريا

المرسوم الرئاسي الخاص بالكرد خطوة تهدئة سياسية أكثر منها تحولاً تشريعياً

يأتي المرسوم الرئاسي الأخير المتعلق بتأكيد حقوق المواطنين السوريين الكرد في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية
70
الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم الرئاسي الكرد

الرئيس السوري يصدر مرسوما رئاسيا يكرّس الاعتراف بالمكوّن الكردي

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 يقضي بالاعتراف بالمكوّن الكردي
732
قوات أمريكية في دير حافر شمال سوريا.. هل توقف التصعيد بين دمشق وقسد؟

قوات أمريكية في دير حافر شمال سوريا.. هل توقف التصعيد بين دمشق وقسد؟

في تطور مثير للجدل على الساحة السورية، أصبحت بلدة دير حافر في ريف حلب الشرقي محور توتر متصاعد بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية
186
سيرياون إعلان 7