سياسي

سوريا من دولة عبور إلى شريك في سلاسل الإمداد الإقليمية

379
سوريا من دولة عبور إلى شريك في سلاسل الإمداد الإقليمية

في قلب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، تعود سوريا إلى واجهة النقاشات المتعلقة بممرات التجارة البرية والسككية، وسط رهانات على استعادة دورها التاريخي كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا والخليج العربي.

لطالما شكّلت سوريا معبراً أساسياً للتجارة البرية بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط البحر المتوسط بالعمق الآسيوي والخليجي.

واليوم، ومع تصاعد الحديث عن إعادة تفعيل تجارة الترانزيت والربط السككي الإقليمي، يبرز سؤال جوهري هو، هل تستطيع دمشق إعادة تموضعها كمركز إقليمي للنقل التجاري في ظل توازنات سياسية واقتصادية معقدة؟

سوريا بوابة برية بين القارات

ترتبط أهمية سوريا تاريخياً بدورها في تجارة العبور (الترانزيت)، حيث كانت الشاحنات والبضائع تمر عبر أراضيها باتجاه الأردن والخليج أو نحو تركيا وأوروبا.

ويكتسب هذا الدور بعداً قانونياً وتنظيمياً من خلال انضمامها إلى اتفاقية النقل الدولي للبضائع (TIR)، التي تتيح مرور الشحنات عبر الحدود بإجراءات جمركية مبسطة وضمانات دولية موحدة.

تفعيل آليات “التير” لا يقتصر على تسهيل حركة الشاحنات، بل يرسل إشارة سياسية واقتصادية إلى الشركاء الإقليميين والدوليين بأن سوريا تسعى لإعادة الاندماج في منظومة النقل والتجارة العابرة للحدود.

فالممرات البرية الأقصر والأقل كلفة تمثل عاملاً حاسماً في تنافسية الصادرات والواردات، خصوصاً للدول الحبيسة أو تلك التي تعتمد على النقل البري للوصول إلى الموانئ.

إلا أن استعادة هذا الدور تبقى رهناً بعوامل عدة، أبرزها جاهزية البنية التحتية، وتنسيق الإجراءات الحدودية، ومستوى الاستقرار الإقليمي.

كما أن المنافسة مع ممرات بديلة تمر عبر تركيا أو العراق أو البحر الأحمر تفرض تحدياً إضافياً، ما يجعل من تطوير الخدمات اللوجستية عاملاً حاسماً في استقطاب حركة العبور مجدداً.

الربط مع السعودية… إحياء مسار تاريخي

يستحضر الحديث عن الربط السككي بين سوريا والسعودية إرث الخط الحديدي الحجازي، الذي أنشئ مطلع القرن العشرين لربط دمشق بالمدينة المنورة مروراً بالأردن.

ورغم أن هذا الخط فقد دوره التاريخي مع التحولات السياسية والحروب، إلا أن فكرته الاستراتيجية ما زالت حاضرة وهي ربط بلاد الشام بالجزيرة العربية عبر سكة حديدية مباشرة.

إعادة إحياء الربط السككي بين سوريا والسعودية – سواء عبر الأردن أو من خلال شبكات حديثة تلامس جوهر التكامل الاقتصادي.

فالسكك الحديدية تُعد من أقل وسائل النقل كلفة لنقل البضائع الثقيلة وعلى مسافات طويلة، كما أنها أكثر استدامة من النقل البري بالشاحنات.

أي مشروع ربط محتمل سيعتمد عملياً على التكامل مع الشبكة الأردنية، بما يعزز الممر الشمالي–الجنوبي من تركيا مروراً بسوريا والأردن وصولاً إلى السعودية. وفي حال تحقق ذلك، يمكن أن يشكل هذا المسار بديلاً برياً مهماً لنقل البضائع بين أوروبا والخليج، خاصة في ظل التقلبات التي تشهدها بعض الممرات البحرية.

لكن تحقيق هذا الطموح يتطلب استثمارات ضخمة في إعادة تأهيل البنية التحتية السورية، وتحديث أنظمة الإشارات والسلامة، إضافة إلى تنسيق سياسي وفني عالي المستوى بين الدول المعنية.

كما أن الجدوى الاقتصادية ستبقى مرتبطة بحجم التبادل التجاري المتوقع، ومدى استقرار البيئة الإقليمية.

المعادلة الجيوسياسية للنقل التجاري

لا يمكن فصل مشاريع النقل الكبرى عن سياقها الجيوسياسي، فالممرات البرية والسككية ليست مجرد خطوط لنقل البضائع، بل أدوات نفوذ وتأثير في معادلات القوة الإقليمية.

وفي هذا الإطار، تصبح سوريا نقطة تقاطع محتملة بين عدة مبادرات إقليمية ودولية تسعى لإعادة رسم خرائط الإمداد.

فمن جهة، تسعى دول المنطقة إلى تنويع مساراتها التجارية وتقليل الاعتماد على نقاط اختناق بحرية حساسة. ومن جهة أخرى، تتنافس مشاريع ممرات بديلة تربط آسيا بأوروبا عبر مسارات مختلفة، سواء عبر تركيا أو القوقاز أو العراق.

وفي هذا المشهد، يشكل الموقع السوري خياراً جغرافياً منطقياً، لكنه مشروط بعوامل سياسية وأمنية.

إعادة تفعيل النقل السككي والبري بشكل عام في سوريا يمكن أن يمنحها ورقة قوة إضافية في علاقاتها الاقتصادية، عبر التحول من دولة عبور فقط إلى شريك في سلاسل الإمداد الإقليمية.


كما أن تطوير الموانئ وربطها بشبكة سككية فعالة يعزز من قدرتها على جذب الاستثمارات اللوجستية.

غير أن هذا المسار يظل مرتبطاً بقدرة دمشق على تأمين بيئة قانونية وتنظيمية جاذبة، وتحديث التشريعات المتعلقة بالشراكات والاستثمار في قطاع النقل.

فالمنافسة الإقليمية لا تقوم فقط على الجغرافيا، بل على الكفاءة والسرعة والشفافية في إدارة العمليات اللوجستية.

هل تنجح سوريا؟


المعطيات الجغرافية تمنح سوريا أفضلية واضحة كممر طبيعي بين آسيا وأوروبا والخليج، غير أن تحويل هذه الأفضلية إلى واقع اقتصادي يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

فالتحول من تجارة الترانزيت التقليدية إلى شبكة سككية متكاملة يعني الانتقال من دور العبور إلى دور العقدة اللوجستية المتكاملة.

وفي ظل التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، قد يشكل الاستثمار في النقل متعدد الوسائط – الذي يجمع بين المرافئ والسكك والطرق البرية – مدخلاً عملياً لإعادة تموضع سوريا على خارطة التجارة الإقليمية.

يبقى السؤال مفتوحاً هل تنجح سوريا في استثمار موقعها الجغرافي وإرثها التاريخي لتعود مركزاً محورياً للنقل التجاري؟.

الإجابة ستتحدد بمدى قدرتها على تحويل الطموحات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، ضمن بيئة إقليمية تتغير ملامحها باستمرار.


مقالات ذات صلة

سيرياون إعلان 7