في صباح السبت 31 أيار/مايو 2026، لم يكن كثير من السوريين بحاجة إلى بيان رسمي ليعرفوا أن هناك مشكلة جديدة في الإنترنت.
الصفحات لم تفتح كالمعتاد، الرسائل تأخرت، والاتصال انقطع في مناطق واسعة. وبعد ساعات، أعلنت وزارة الاتصالات أن الكابل الضوئي الرابط بين دمشق وحمص، تعرض لاعتداء أدى إلى اضطرابات كبيرة في الخدمة، فيما كشفت الشركة السورية للاتصالات، عن سرقة كابلات أخرى داخل دمشق، تسببت بخروج آلاف المشتركين من الخدمة.
بالنسبة لكثير من السوريين، لم يعد هذا النوع من الأخبار مفاجئاً.
فكل بضعة أسابيع تقريباً، تظهر قصة جديدة عن سرقة كابلات أو انقطاع شبكة أو خروج مركز اتصالات عن الخدمة. لكن خلف هذه الأخبار المتكررة تختبئ مشكلة أكبر بكثير من مجرد انقطاع مؤقت للإنترنت.
المشكلة أن سوريا باتت تقف اليوم في آخر الصف العالمي تقريباً عندما يتعلق الأمر بسرعة الإنترنت وجودته.
العالم يركض.. وسوريا تحاول اللحاق
قبل سنوات كان بطء الإنترنت أمراً مزعجاً لا أكثر، أما اليوم، فهو قد يعني ضياع فرصة عمل، أو فوات مقابلة عبر الإنترنت، أو تعطل مشروع كامل، أو حتى عجز طالب عن متابعة محاضرته.
وظائف كاملة أصبحت تعتمد على الإنترنت
الدراسة الجامعية بات جزء كبير منها مرتبطاً بالوصول إلى المواد الرقمية. حتى أبسط المعاملات والخدمات أصبحت تنتقل تدريجياً إلى الفضاء الإلكتروني.
لهذا لم تعد سرعة الإنترنت رفاهية تقنية، بل جزءاً من الحياة اليومية.
أين تقف سوريا مقارنة بالدول العربية؟
في الوقت الذي تتصدر فيه الإمارات وقطر والكويت والبحرين، قوائم الإنترنت الأسرع عالمياً، ما تزال سوريا تقبع في المراتب الأخيرة، وفق بيانات مؤشرات السرعة الدولية المعتمدة على ملايين القياسات الشهرية حول العالم.
الفارق لا يُقاس ببضع ثوانٍ فقط.
في دول الخليج يمكن تحميل ملفات ضخمة أو مشاهدة المحتوى عالي الجودة أو إجراء اجتماعات العمل بسهولة كبيرة، بينما ما يزال كثير من السوريين يتعاملون يومياً مع انقطاعات متكررة وتأخير في التحميل وضعف في الاستقرار.
المسألة هنا ليست منافسة بين دول، بل فجوة رقمية تتسع عاماً بعد عام.
سرقة الكابلات.. مشكلة لا تنتهي
عندما يُسأل السوريون عن سبب ضعف الإنترنت، تكون الإجابات عادة مرتبطة بالبنية التحتية القديمة أو سنوات الحرب الطويلة، لكن هناك سبباً آخر أصبح يتكرر بصورة لافتة: سرقة الكابلات.
خلال الأشهر الماضية فقط، وثقت وسائل إعلام رسمية ومحلية عشرات الحالات التي تعرضت فيها شبكات الاتصالات للسرقة أو التخريب في دمشق وريفها وحمص ومناطق أخرى.
وفي نيسان/أبريل الماضي خرجت أحياء كاملة في حمص من الخدمة بعد سرقة أجزاء من شبكة الاتصالات، بينما تحدثت الشركة السورية للاتصالات عن اعتداءات متكررة تؤثر على الهاتف والإنترنت معاً.
أما حادثة نهاية أيار، فكانت الأوسع خلال الفترة الأخيرة، بعدما أدى الاعتداء على الكابل الضوئي بين دمشق وحمص إلى تأثر الخدمة في عدة محافظات، بالتزامن مع سرقات جديدة داخل العاصمة نفسها.
المشكلة لا تتوقف عند انقطاع الخدمة لساعات أو أيام.
كل كابل يُسرق يعني أن فرق الصيانة ستعود إلى نقطة الصفر، وأن الأموال المخصصة للتطوير ستذهب مجدداً إلى أعمال الإصلاح والاستبدال.
وكأن الشبكة تخوض معركة مستمرة للبقاء بدلاً من التقدم.
أكثر من مجرد بطء
حين يُقال إن سوريا من بين أبطأ دول العالم في الإنترنت، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد رقم في تقرير دولي، لكن الأمر أعمق بكثير، فكيف يمكن لسوريا أن تدخل اقتصاد المستقبل بينما ما يزال الوصول إلى الإنترنت نفسه معركة يومية بالنسبة لكثير من السوريين؟ ففي عالم تتحرك فيه الفرص بسرعة الضوء، لا يبدو أن امتلاك إنترنت جيد أصبح ترفاً يمكن تأجيله، بل ضرورة لا تقل أهمية عن أي خدمة أساسية أخرى.
ويبقى السؤال مفتوحاً، هل تستطيع سوريا تضييق الفجوة الرقمية في السنوات المقبلة؟ أم سيبقى الإنترنت أحد أبرز تحديات مرحلة إعادة الإعمار؟






