في وقت تتهيأ فيه سوريا لشراء أحد أكبر مواسم القمح لعام 2026، بعد تقدير إنتاجه بنحو 2.5 مليون طن، اختارت الحكومة اعتماد الليرة السورية وسيلةً وحيدة لشراء المحصول، وبينما يُنظر إلى القرار بوصفه خطوة لتعزيز مكانة العملة الوطنية، يطرح اقتصاديون تساؤلات حول قدرة الدولة على تمويل موسم بهذا الحجم، وما إذا كان ذلك سيدعم الليرة فعلاً أم يضع السياسة النقدية أمام اختبار جديد.
ويأتي القرار في ظل موسم يوصف بأنه الأفضل منذ أعوام، بعد تحسن الظروف المناخية واتساع المساحات المزروعة، وهو ما يضع الحكومة أمام تحدي تأمين السيولة اللازمة لشراء المحصول، بالتوازي مع الحفاظ على الاستقرار النقدي.
الليرة في قلب المعادلة
يرى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور علي محمد أن اعتماد الليرة السورية في شراء محصول القمح يعكس توجهاً اقتصادياً ونقدياً يهدف إلى تعزيز مكانة العملة الوطنية في التعاملات الداخلية، ولا سيما في قطاع استراتيجي يرتبط بالأمن الغذائي.
وأوضح، في حديثه لـ Syria One، أن تسعير محصول القمح بالليرة السورية يعني ضخ كتلة نقدية كبيرة بالعملة الوطنية داخل الأسواق، ولا سيما في الأرياف، بما يسهم في زيادة دوران الليرة وتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية.
ويرى أن الأثر لا يقتصر على الفلاح وحده، إذ ستنتقل هذه السيولة إلى مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، من موردي البذار والمحروقات إلى قطاع النقل والخدمات، بما يعزز حركة الأسواق في المناطق الزراعية، ويعكس – بحسب الخبير – توجهاً يؤشر إلى قدرة الدولة على تأمين متطلبات الإنفاق المرتبطة بشراء المحاصيل الاستراتيجية.
لكنه يؤكد، في المقابل، أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتعزيز قيمة الليرة، إذ إن استقرار أي عملة وطنية يعتمد على منظومة متكاملة تشمل السياسة النقدية والمالية، وضبط الكتلة النقدية والتضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وليس على إلزام التعامل بالعملة المحلية فقط.
تحدي التمويل وربحية المزارع
ويشير محمد علي إلى أن شراء محصول يقدَّر بنحو 2.5 مليون طن، وفق السعر الحكومي البالغ 55 ألف ليرة سورية جديدة للطن، يعني إنفاقاً يقارب 137.5 مليار ليرة جديدة، وهو ما يعادل نحو 12% من إجمالي نفقات الموازنة العامة لعام 2026، بحسب تقديراته.
ويضيف أن قدرة الدولة على تمويل هذا الموسم ستعتمد على مصدر الأموال المستخدمة، مبيناً أن تمويل عمليات الشراء من موارد حقيقية سيكون مؤشراً إيجابياً، بينما قد يؤدي اللجوء إلى إصدار نقدي جديد إلى ضغوط تضخمية تنعكس على الاستقرار النقدي، وهو ما يجعل آلية التمويل عاملاً حاسماً في تحديد الأثر النهائي لهذه السياسة على الاقتصاد والليرة السورية.
وفي المقابل، ما يزال المزارع يتحمل تكاليف إنتاج ترتبط بدرجات متفاوتة بأسعار الدولار، بدءاً من البذار والمشتقات النفطية وصولاً إلى النقل والري، وهو ما يجعل استقرار سعر الصرف عاملاً مؤثراً في الحفاظ على القيمة الفعلية للعائد الذي يحصل عليه المنتج.
ويشير علي إلى أن هذا هو المنطلق الذي يستند إليه بعض المزارعين في تخوفهم من أي تراجع مستقبلي في قيمة الليرة، لما قد يسببه ذلك من تآكل في أرباحهم. ورغم ذلك، يؤكد أنه لا يعتقد أن هذا التخوف أصبح واقعاً في الوقت الحالي، موضحاً أن التسعيرة الحالية تبدو، وفق المعطيات المتوافرة، قادرة على تلبية احتياجات المزارعين بصورة أفضل مقارنة بمواسم سابقة، لكنه يحذر من أن أي تراجع كبير في قيمة الليرة مستقبلاً قد يؤدي إلى تآكل أرباحهم، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى تقليص زراعة القمح أو الاتجاه نحو محاصيل أخرى إذا لم تُحافظ السياسات الاقتصادية على استقرار العملة.
وبينما تراهن الحكومة على أن يسهم شراء القمح بالليرة السورية في تعزيز حضور العملة الوطنية داخل السوق، تبقى النتيجة مرهونة بقدرة السياسة النقدية على الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وبكيفية تمويل موسم استثنائي يعد من الأكبر خلال السنوات الأخيرة، فنجاح هذه الخطوة لن يُقاس بحجم القمح الذي ستشتريه الدولة فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تحقيق توازن بين دعم الليرة السورية، والحفاظ على القوة الشرائية للمزارعين، وضمان استدامة إنتاج أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في البلاد.






